على حافة الهاوية... حينما يلتقي تاجر الصفقات بـ المرشد الغائب وسط ركام النيران
لم يكن الخليج العربي، طوال تاريخه المثقل بالصراعات، مجرد ممر مائي للنفط، بل كان دائماً ترمومتراًيقيس درجة حرارة العالم السياسية، وبؤرة تتلاقى عندها أطماع الإمبراطوريات وخرائط النفوذ. واليوم،ونحن نتابع تفاصيل المشهد الممتد من واشنطن إلى طهران، مروراً بالعواصم الخليجية، نجد أنفسناأمام فصل جديد، ربما يكون الأخطر، من فصول المواجهة المؤجلة بين الولايات المتحدة الأمريكيةوالجمهورية الإسلامية الإيرانية.
إن ما تشهده المنطقة اليوم ليس مجرد مناوشات عابرة، بل هو تحول إستراتيجي زلزل التوازناتالقديمة، وبات يهدد بفتح أبواب الجحيم في منطقة لا تحتمل المزيد من الحرائق. الضربات الأخيرةالمتبادلة بين الطرفين تجاوزت الخطوط الحمراء التقليدية، وأنتقلت من حرب الوكلاء المستترة إلىصراع الأصلاء العاري، لتدخل المنطقة في طور جديد.
إن المراقب لخرائط الهجمات الأخيرة لا يمكنه أن يخطئ الدلالة الشديدة للضربات الإيرانية التيإستهدفت الكويت والبحرين. لم تعد إيران تكتفي بالرد في الساحات الخلفية، بل وجهت صواريخهاوطائراتها المسيرة مباشرة نحو دول مجاورة، معتبرة إياها بحسب البيانات الرسمية الصادرة من طهرانشريكة في المسؤولية عن الضربات الأمريكية،
لكن هل تقصد إيران من هذه الضربات توسيع رقعة الحرب؟
الجواب يكمن في عقيدة الردع الشامل الإيرانية ، طهران تريد إيصال رسالة مشفرة بالبارود مفادها إذامُنع النفط الإيراني من العبور عبر حصار مضيق هرمز، فإن أمن الخليج بأكمله يصبح خطاً مستقيماً منالنار، ولن تكون أي عاصمة بمأمن إذا ما إستمرت الولايات المتحدة في محاولاتها لتغيير النظام من الجو.
وفي المقابل، يقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في قلب المشهد بتركيبته البراجماتية المعهودة ترامب، الذي يقود حملة الضغط الأقصى العسكرية والإقتصادية، فاجأ الدوائر السياسية العالميةبتصريحاته الأخيرة ، حين أعلن صراحة أنه يرغب في لقاء المرشد الأعلى الجديد للثورة الإيرانية، مجتبىخامنئي، وأنهما قد يلتقيان في مرحلة ما".
هذه التصريحات تحمل في طياتها تكتيك التناقض الذي يجيده ترامب.
من جهة، يؤكد أن إيران وافقت ضمن تفاهمات أولية على عدم السعي لإمتلاك سلاح نووي كشرط لوقفالحرب.
ومن جهة أخرى، يتحدث بنبرة متهكمة وغموض عن الوضع الصحي للمرشد الجديد مجتبى خامنئي،الذي خلف والده علي خامنئي بعد الضربة الجوية الضخمة في بداية الحرب، مشيراً إلى التقارير التيتتحدث عن إصابته وإختفائه عن الأنظار.
إن هذا الموقف تجسيداً للمدرسة الترامبية إضرب بقسوة حتى يجثو خصمك، ثم أعرض عليه طاولةالمفاوضات لتوقع معه صفقة القرن الخاصة بك . ترامب لا يريد حرباً أبدية تستنزف الإقتصاد الأمريكي،بل يريد إستسلاماً إيرانياً موقعاً برداء إتفاق سلام تاريخي يضمن تفكيك البرنامج النووي بالكامل.
الأزمة الراهنة تتحرك بين مسارين لا ثالث لهما:
المسار الأول التسوية الصعبة
ثمة مفاوضات سرية ومعقدة تجري برعاية باكستانية ووساطات إقليمية ، التقارير تتحدث عن مسودةمذكرة تفاهم أمريكية إيرانية تقضي بإنهاء الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية وإعادة فتحمضيق هرمز، مقابل إلتزام إيراني صارم ومكتوب بوقف حثيث لبرنامج التخصيب النووي وتجميدالهجمات على القواعد الأمريكية ودول الجوار.
المسار الثاني الإنفجار الشامل
وهو الخطر القائم مع كل خرق لإطلاق النار مثل الهجوم الأخير على مطار الكويت ، إيران تعاني داخلياً منأزمات إقتصادية طاحنة وإحتجاجات شعبية شرسة جرى قمعها بالحديد والنار، والملالي في طهران قديجدون في تصدير الأزمة إلى الخارج عبر تصعيد عسكري غير محسوب وسيلة أخيرة للحفاظ على تماسكالنظام.
إن النظر إلى المشهد يؤكد لنا حقيقة واحدة الحروب في الشرق الأوسط لا تنتهي بضربة قاضية، بلتنتهي دائماً بإنهاك الأطراف ، إيران، رغم الضربات القاسية التي تلقتها في هيكلها القيادي ومنشآتهاالحيوية، أثبتت أنها لا تزال تملك مخالب قادرة على إيذاء جيرانها وهز إستقرار أسواق الطاقة العالمية. والولايات المتحدة، رغم تفوقها التكنولوجي الهائل، تدرك أن كلفة إحتلال إيران أو إسقاط نظامها بالكاملمن الجو هي كلفة تفوق قدرة الخزانة الأمريكية والداخل الأمريكي على الإحتمال.
نحن إذن أمام مشهد سريالي: صواريخ تنفجر في مطارات الخليج، وطائرات مسيرة تعبر الممرات المائية،وفي الوقت ذاته، يجلس السماسرة والدبلوماسيون في الغرف المغلقة لترتيب لقاء محتمل بين رئيسأكبر إمبراطورية رأسمالية ومرشد الثورة الإسلامية الجريح ، إنها لعبة الأمم في أعنف تجلياتها، حيث الدميكتب الشروط، والبارود يرسم الحدود، وفي النهاية، يبقى الخليج العربي هو الساحة التي يدفع أهلهاثمن صراع الكبار.