بين أقدام الفتى الساحر وضمير العالم .. لامين يامال صانع المجد ومحرك الضمير

الموجز

حين إنطلقت صافرة النهاية على أرضية إستاد ميتلايف معلنةً تتويج المنتخب الإسباني بلقب كأس العالم 2026، لم تكن تلك اللحظة مجرد مشهد رياضي إحتفالي يُضاف إلى سجلات الإتحاد الدولي لكرة القدم ، بل كانت في جوهرها نقطة تقاطع حاسمة بين الجغرافيا السياسية والضمير الإنساني العالمي،

في مركز هذا المشهد التاريخي يبرز فتى لم يتجاوز التاسعة عشرة من عمره لامين يامال الذي إستطاع بلمساته الساحرة أسر ألباب العقول عبر القارات ، ولكن ما جعل هذه اللحظة تتجاوز حدود المستطيل الأخضر هو ذلك الخيط الممتد بين أقدام هذا الفتى الشاب وبين قضية شعبٍ يُباد على مرأى ومسمع من المنظومة الدولية المتفرجة.

 

 

 

يمتد نسب هذا الفتى إلى الجذور المغربية والغينية الإستوائية، وقد نشأ في حي روكافوندا العمالي في كاتالونيا، وهو الحي الذي صاغ وعيه وإعتزازه الإجتماعي والسياسى ،

وأصبح يامال أول مراهق في تاريخ اللعبة يخوض نهائي أمم أوروبا ونهائي كأس العالم متتالياً، ليكون الركيزة الأساسية في منظومة لا روخا التي قادت إسبانيا إلى عرش المجد الكروي عالمياً،

إن عبقرية يامال داخل الميدان لم تكن منفصلة عن بيئته؛ فالمهارة الفطرية التي أظهرها أمام أعتا الدفاعات العالمية هي ذاتها القدرة على التعبير عن هويته دون خوف أو مواربة في الفضاء العام،

لم تكن كرة القدم يوماً مجرد تسعين دقيقة من الراكضين خلف الكرة؛ بل كانت دوماً، كما يشهد التاريخ، إنعكاساً لموازين القوى وللضمير الجمعي للشعوب ، وفي الوقت الذي يعيش فيه الشعب الفلسطيني تحت وطأة حرب إبادة وتجويع يومي تفقد معه البشرية آخر ما تبقى من إدعاءاتها الأخلاقية، جاء رفع العلم الفلسطيني ومظاهر التضامن من يامال ورفاقه ومحيطه الإجتماعي كصدمة إيجابية لمؤسسات الهيمنة الإعلامية الغربية،

إن أهمية موقف لامين يامال لا تكمن فقط في كسر أسطورة الحياد الرياضي المزعوم، بل في كونه يمثل جيلًا جديدًا من أبناء المهاجرين في قلب أوروبا، يرون في القضية الفلسطينية إختبارًا حقيقيًا لإنسانيتهم ولعدالة النظام العالمي الذي يدعي الديمقراطية وحقوق الإنسان،

 

لقد وجدت المؤسسات الإعلامية الكبرى نفسها أمام مفارقة معقدة؛ فنجم البطولة الأول وهدافها المستقبلي لا يتردد في التعبير عن تعاطفه مع ضحايا غزة، مما أفشل محاولات التعتيم على القضايا الإنسانية العادلة ،

فحركة التضامن الشعبية في إسبانيا التي توجت بالإعتراف الرسمي بالدولة الفلسطينية وبمواقف شعبية ورياضية جريئةشكلت تحولاً في القوة الناعمة داخل القارة الأوروبية،

ونجحت هذه المواقف في تحويل الإحتفالات باللقب العالمي إلى منصة للتذكير بالمأساة الإنسانية التي يتعرض لها الأهالي في قطاع

غزة، لقد أثبتت تجربة كأس العالم 2026 أن مفهوم الحياد الرياضي الذي تنادي به بعض المؤسسات الدولية هو مفهوم مطاطي يُستخدم كأداة لتقييد الشعوب وتكميم الفضاءات الإنسانية،

إن موقف لامين يامال والتفاعل الجماهيري الذي واكبه يثبتان أن الصورة الذهنية التي حاولت وسائل الإعلام الغربية ترسيخها بدأت تتآكل أمام وعي الأجيال الشابة التي تمتلك أدوات المعرفة وتأبى الصمت أمام حرب الإبادة الجماعية ،

 

 

سيُسجل التاريخ الكروي أن إسبانيا إعتلت عرش كرة القدم في صيف 2026 بفضل كتيبة شابة يتقدمها لامين يامال ، لكن التاريخ الإنساني وهو الأهم والأبقى سيسجل أن هذا الفتى لم يبع ضميره في سوق النجومية، ولم تخدره أضواء الشهرة والصفقات الإعلانية الضخمة عن رؤية دماء الأبرياء والأطفال المحرومين من الحياة،

إن أقدام لامين يامال التي صنعت وسجلت الكثير من الأهداف ورسمت المجد الرياضي، أرسلت في الوقت نفسه رسالة مدوية من ملاعب نيو جيرسي إلى أنقاض غزة ، إن الشعوب الحية لا تموت، وإن الضمير الإنساني قد يمرضه الصمت الدولي، لكنه حتماً لن يموت ما دام في العالم أحرار يحملون الشعلة .

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

بين أقدام الفتى الساحر وضمير العالم .. لامين يامال صانع المجد ومحرك الضمير

بقلم ياسر بركات