صراع "الصناديق السوداء".. أحمد وحيدي وإسماعيل قاآنى في معركة "اليوم التالى"
في ليلة غاب فيها اليقين وسكنت طهران تحت أزيز الطائرات، لم يكن مقتل المرشد الإيراني مجرد نهاية لحقبة، بل كان إشارة البدء لصراع مرير ومكتوم داخل أروقة "بيت القائد"، صراعٌ تحركه طموحات جنرالات الظل وتزكيه تصريحات القادم من واشنطن، دونالد ترامب.
في قلب هذا الإعصار، يبرز اسمان يمثلان قطبي الرحى في هيكل السلطة الإيراني: أحمد وحيدي، "الرجل القوي" الذي يمسك بمفاتيح الداخل والحرس الثوري، وإسماعيل قاآني، قائد فيلق القدس الذي تحوم حوله شكوك واشنطن وتساؤلات طهران. هذا الصراع ليس مجرد تنافس على منصب، بل هو معركة لتحديد هوية إيران القادمة: هل هي "دولة الثكنات" التي يقودها وحيدي، أم هي "دولة الصفقات" التي قد يمررها قاآني تحت ضغط الإملاءات الترامبية؟
أحمد وحيدي، الذي عاد للواجهة كقائد عام للحرس الثوري في لحظة طوارئ، يمثل تيار "السيادة المطلقة" والحرس القديم الذي يرفض الانكسار أمام العاصفة.
وحيدي ليس مجرد عسكري، بل هو مؤسس فيلق القدس وعقله الاستراتيجي الذي يرى أن بقاء النظام يكمن في إغلاق الأبواب بوجه أي رياح خارجية. بالنسبة لوحيدي، فإن "الخلافة" يجب أن تكون عسكرية بامتياز، تضمن بقاء نفوذ الحرس الثوري وتواجه "الابتزاز الأمريكي" بصلابة العقيدة، هو الرجل الذي يرى فيه ترامب الخصم الأكثر خطورة، ليس فقط بسبب ماضيه الملطخ بالملاحقات الدولية، بل لقدرته على تحويل إيران إلى حصن منيع يصعب اختراقه بالصفقات العقارية السياسية التي يفضلها الرئيس الأمريكي.
وفي الطرف الآخر من المعادلة، يبرز إسماعيل قاآني بظلاله الكثيفة وشخصيته التي لطالما كانت محل تساؤل. قاآني، الذي خلف قاسم سليماني، لم ينجح يوماً في ملء فراغ الكاريزما التي تركها سلفه، مما جعله في مرمى النيران الصديقة والمعادية على حد سواء.
التصريحات الترامبية الأخيرة، التي لمحت بذكاء إلى أن واشنطن تملك "خيوطاً" داخل القيادة الإيرانية، وضعت قاآني في موقف لا يحسد عليه، حيث بدأت الشائعات تنهش في ولائه وتصوره كـ "رجل أمريكا" أو على الأقل كقناة خلفية مرنة يمكن لترامب من خلالها هندسة نظام إيراني جديد. بالنسبة لخصومه في الداخل، قاآني هو الثغرة التي قد يتسلل منها "بائع العقارات" الأمريكي لتفكيك مشروع الثورة من الداخل عبر تفاهمات سرية تضمن بقاء النخبة مقابل التخلي عن الأذرع الإقليمية.
إن الصراع بين وحيدي وقاآني هو صراع بين "البندقية" و"القناة الخلفية". وحيدي يراهن على الاستنفار القومي والحشد العسكري لفرض واقع جديد يمنع ترامب من التدخل في اختيار المرشد القادم، بينما يجد قاآني نفسه مضطراً للمناورة في حقل ألغام، محاولاً الحفاظ على نفوذه الخارجي المتهالك تحت وطأة الضربات، وفي الوقت ذاته دفع شبهات التواطؤ التي تغذيها التقارير الغربية. ترامب، من جانبه، يلعب على هذا الوتر بحرفية عالية؛ فبتصريحاته التي توحي بالتدخل، هو يغذي الانقسام داخل الحرس الثوري، دافعاً وحيدي نحو التشدد الذي قد يسرع بصدام داخلي، وواضعاً قاآني تحت مجهر التخوين الذي قد يقضي على مستقبله السياسي.
السيناريوهات القادمة ترسم صورة لـ "حرب جنرالات" داخل طهران؛ فإما أن ينجح أحمد وحيدي في تحييد قاآني وإحكام قبضته على مجلس القيادة المؤقت ليعلن إيران "دولة حرب" مغلقة
وإما أن ينجح تيار "الصفقة" الذي قد يجد في قاآني واجهة مقبولة دولياً لتمرير "انتقال ناعم" يحمي ما تبقى من مصالح النظام مقابل الخضوع لشروط واشنطن. وبين هذا وذاك، يقف الشعب الإيراني مراقباً لهذا الصراع، مدركاً أن من سيحسم المعركة ليس فقط من يملك الرصاصة، بل من يملك القدرة على الصمود في وجه "الإعصار الترامبي" الذي يبدو أنه لن يهدأ حتى يرى طهران تدار بعقلية "الصفقة الكبرى".
في النهاية، يبقى أحمد وحيدي وإسماعيل قاآني وجهين لعملة واحدة تعيش لحظة الحقيقة؛ أحدهما يمثل الماضي الذي يرفض الرحيل، والآخر يمثل المستقبـل الذي يخشى الجميع مواجهته.