مفاجأة الساعات الأخيرة: أوروبا تفضح خطط ترامب
تشهد الساحة الدولية فصلاً جديداً من فصول التوتر غير المسبوق بين ضفتي الأطلسي، حيث تجد القوى الأوروبية الكبرى وحلفاء واشنطن التقليديون، كأستراليا، أنفسهم في مواجهة مباشرة مع طموحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العسكرية تجاه إيران، وهذا الصدام ليس مجرد خلاف ديبلوماسي عابر، بل هو زلزال يضرب أركان حلف "الناتو" ويعيد تعريف مفهوم التحالفات في القرن الحادي والعشرين، خاصة مع وصول لغة الخطاب بين القادة إلى مستويات من الإهانة العلنية والتهديد المباشر لم تشهدها العلاقات الدولية منذ عقود.
ينبع الموقف الأوروبي الموحد الرافض للمشاركة في الحرب ضد إيران من قناعة راسخة بأن هذا الصراع لا يخدم مصالح القارة العجوز، بل يهدد أمنها القومي بشكل مباشر، فمن ألمانيا إلى فرنسا، وصولاً إلى إيطاليا، ترى العواصم الأوروبية أن الانزلاق نحو حرب شاملة مع طهران سيؤدي إلى انفجار أزمة طاقة عالمية تفوق قدرة اقتصاداتهم على الاحتمال، فضلاً عن مخاوفهم من موجات نزوح ولجوء غير مسبوقة قد تتدفق نحو حدودهم، هذا الرفض لم يقتصر على القوى الليبرالية، بل امتد ليشمل حكومة إيطاليا اليمينية بزعامة جورجيا ميلوني. فرغم التقارب الإيديولوجي المفترض بين ميلوني وترامب، إلا أن رئيسة الوزراء الإيطالية تمسكت بموقف بلادها الرافض للانخراط العسكري، معتبرة أن التدخلات أحادية الجانب خارج إطار القانون الدولي تمثل تهديداً للاستقرار العالمي، ومشبهة الموقف أحياناً بتداعيات التدخلات العسكرية السابقة التي خلقت فوضى لم تجنِ أوروبا منها سوى الأزمات.
وفي سياق هذا التوتر، جاءت إهانة ترامب العلنية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالأمس لتصب الزيت على النار. فخلال مؤتمر صحفي وتصريحات حادة، سخر ترامب من دعوات ماكرون لـ "الاستقلال الاستراتيجي" الأوروبي، مذكراً إياه بلهجة تهكمية بالديون التاريخية وبأن فرنسا كانت لولا التدخل الأمريكي تتحدث الألمانية، هذه الإهانة لم تكن موجهة لشخص ماكرون فحسب، بل كانت رسالة تقريع لكل من يحاول الخروج عن بيت الطاعة الأمريكي في الملف الإيراني، مما عمق الشعور لدى باريس بأن التحالف مع واشنطن في عهد ترامب بات "تحالفاً بالإذعان" لا "شراكة بين أنداد".
ولم يكن هذا السلوك الصادم وليد الصدفة، بل هو امتداد لنهج ترامب الذي سبق وهدد بلجيكا بخصوص أزمة "جرينلاند"، ففي تحول غريب للأحداث، وبسبب استضافة بروكسل لمؤسسات الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، وجه ترامب تهديدات مبطنة بفرض عقوبات تجارية وضغوط ديبلوماسية إذا استمر الموقف الأوروبي الرافض لمساعيه التوسعية أو التجارية، مستخدماً ملف "جرينلاند" والسيادة الدنماركية عليها كأداة لابتزاز المواقف الأوروبية في ملفات أخرى، من بينها تمويل الناتو والموقف من إيران.
أما الموقف البريطاني، فقد اتخذ صبغة أكثر تعقيداً؛ فبينما تحاول لندن الحفاظ على "العلاقة الخاصة" مع واشنطن، وجد رئيس الوزراء كير ستارمر نفسه مضطراً للوقوف في صف الجبهة الأوروبية الرافضة للتصعيد العسكري. بريطانيا أعلنت بوضوح أنها لن تنجر إلى حرب إقليمية واسعة، ورفضت منح واشنطن صكاً على بياض لاستخدام القواعد العسكرية البريطانية لشن هجمات مباشرة ضد طهران، معتبرة أن أي تحرك عسكري يجب أن يستند إلى تقييم بارد للمصلحة الوطنية البريطانية وليس استجابة لضغوط خارجية أو رغبات في تغيير الأنظمة بالقوة.
لقد بلغت الذروة حين أعلن حلف شمال الأطلسي "الناتو" رسمياً رفضه المشاركة كمؤسسة في هذه الحرب، مؤكداً أن ميثاق الحلف دفاعي بالأساس ويهدف لحماية أراضي الأعضاء، وليس شن حروب هجومية في الشرق الأوسط، هذا الموقف أثار حنق ترامب الذي وصف الحلف بأنه "طريق ذو اتجاه واحد" يأخذ الحماية الأمريكية ولا يعطي شيئاً في المقابل، مهدداً بمستقبل "سيء جداً" للحلف إذا لم يمتثل لإرادته.
في النهاية، يبدو أن العالم أمام مشهد سريالي: واشنطن تمضي وحيدة في مسار الحرب، بينما يقف أقرب حلفائها في خندق الرفض، ليس حباً في طهران، بل خوفاً من حليف يرى في التحالفات مجرد عقود تجارية قابلة للإلغاء أو الابتزاز.