مضيق هرمز… حين تتكلم الجغرافيا بلغة السياسة
في لحظات التوتر الكبرى، تعود الجغرافيا لتفرض نفسها بوصفها اللاعب الأكثر ثباتًا في معادلات القوة، ومضيق هرمز ذلك الشريان البحري الضيق الذي لا يتجاوز عرضه في بعض مناطقه بضع عشرات الكيلومترات، لم يكن يومًا مجرد ممر مائي، بل ظل دوما ساحة إختبار لإرادات الدول، ومسرحا تتقاطع فيه المصالح الإستراتيجية الكبرى، واليوم مع عودة الحديث عن فتح المضيق والسماح بمرور السفن
فإن ذلك لا يعني ببساطة إزالة عائق مادي، بل هو تعبير سياسي عن تخفيف أو إعادة ضبط قواعد الإشتباك غير المعلنة بين واشنطن وطهران. فمنذ إنسحاب الولايات المتحدة من الأتفاق النووي عام 2018، إعتمدت واشنطن سياسة الضغط الأقصى، والتي لم تقتصر على العقوبات الاقتصادية، بل أمتدت لتشمل محاولات خنق الصادرات النفطية الإيرانية، سواء عبر العقوبات المباشرة أو عبر تعزيز الوجود العسكري في الخليج.
لكن إيران، التي تدرك جيدًا طبيعة موقعها الجغرافي، تعاملت مع مضيق هرمز كأداة ردع غير تقليدية.
فالمضيق يمر عبره نحو ثلث إمدادات النفط المنقولة بحرًا في العالم، وأي تهديد لإغلاقه أو حتى تعطيله، ينعكس فورًا على أسعار الطاقة العالمية، ويضع الإقتصاد الدولي أمام إختبار قاس، ولهذا فإن فتح المضيق في هذا السياق يُفهم بإعتباره رسالة تهدئة، أو على الأقل إشارة إلى رغبة في تجنب التصعيد الشامل ،
من هنا جاء وصف دونالد ترامب للمضيق بـ”مضيق إيران”، وهذا لم يكن مجرد زلة لسان، بل تعبيرًا عن إدراك ضمني لحقيقة جيوسياسية، فإيران تسيطر على الساحل الشمالي للمضيق، وتملك نفوذًا عسكريًا واضحًا في المنطقة، سواء عبر قواتها البحرية أو عبر شبكاتها الإقليمية.
ويعد هذا التصريح إعترافا غير مباشر بأن إيران تمتلك قدرة فعلية على التأثير في حركة الملاحة، حتى وإن لم تكن تسيطر قانونيًا على المضيق بشكل كامل، بل نستطيع القول أن فتح المضيق جاء ليثبت أن حصار أمريكا للموانئ الإيرانية بلا معنى وأن عودة أمريكا للحرب شبه مستحيلة، ويثبت كيف أستغلت إيران ذلك لفرض الهدنه في الجنوب اللبناني وخاصه بعد الصمود الإسطورى لحزب الله.
وفي سياق الصراع الحالي، تشير التقارير إلى أن هناك نوعًا من “التفاهم الضمني” بين الطرفين، يقوم على تجنب الوصول إلى نقطة الإنفجار ،فواشنطن، رغم إستمرارها في فرض العقوبات، أبدت في بعض الأحيان مرونة في تطبيقها، خاصة فيما يتعلق بصادرات النفط، حيث سمحت بشكل غير مباشر بمرور بعض الشحنات الإيرانية إلى الأسواق الآسيوية، وفي المقابل، حرصت طهران على عدم إتخاذ خطوات قد تُفسر كتصعيد مباشر، مثل إغلاق المضيق أو استهداف السفن بشكل واسع.
هنا يأتي مفهوم “فتح المضيق” كجزء من هذا التوازن الدقيق فالسماح بإستمرار تدفق النفط، سواء الإيراني أو الخليجي، يعني الحفاظ على إستقرار نسبي في الأسواق، ويجنب الطرفين الدخول في مواجهة مفتوحة.
وهكذا يصبح مضيق هرمز مرة أخرى مرآة تعكس حالة التوازن الهش بين القوتين. فهو ليس مجرد ممر مائي، بل أداة تفاوض، ورسالة سياسية، ومؤشر على إتجاهات الصراع. و”فتح المضيق” في هذا السياق ليس قرارًا تقنيًا، بل تعبير عن إرادة سياسية في إبقاء الأزمة تحت السيطرة.
في النهاية، يمكن القول إن ما يجري في مضيق هرمز اليوم هو جزء من لعبة أكبر، تتداخل فيها الجغرافيا مع السياسة، والأقتصاد مع الأمن.
وإذا كان التاريخ قد علمنا شيئًا، فهو أن هذه المنطقة لا تعرف الفراغ، وأن كل حركة فيها، مهما بدت صغيرة، تحمل في طياتها دلالات كبرى، وبين واشنطن وطهران، يظل المضيق شاهدًا على صراع لم يُحسم بعد، وربما لن يُحسم قريبًا، لكنه بالتأكيد سيظل أحد أهم مفاتيح فهمه.