زلزال فوق هضبة إيران.. والبحث عن مخرج من "عنق الزجاجة "
إن ما نراه اليوم من تحركات دبلوماسية مكوكية لوزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بين إسلام آباد ومسقط وصولاً إلى سان بطرسبرج، ليس مجرد "سياحة سياسية" في وقت الأزمات، بل هو "رقصة فوق حد السيف" في لحظة فارقة من تاريخ الشرق الأوسط.
طهران اليوم لا تتحرك من فراغ، بل تتحرك تحت وطأة "النيران" و"الحصار". نحن إذن أمام وزير خارجية يحمل في حقيبته "رسائل مشفرة" وقلقاً وجودياً، يحاول أن ينسج خيوطاً بديلة قبل أن تكتمل حلقة الحصار.
أولاً: محطة إسلام آباد.. "صندوق البريد" الساخن
لماذا بدأ بالباكستان؟ الجواب يكمن في "الجغرافيا السياسية". باكستان ليست مجرد جار، بل هي اليوم "الوسيط الموثوق" الذي يثق فيه الطرفان؛ واشنطن وطهران، عراقجي لم يذهب هناك لتبادل الإبتسامات، بل سلم "ردوداً مكتوبة" على مقترحات أمريكية.
المفارقة هنا أن إسلام آباد تحولت إلى "غرفة عمليات" دبلوماسية، حيث كان من المفترض أن يلتقي مبعوثو ترامب (ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر) بالوفد الإيراني، لولا "التقلبات" المفاجئة في مزاج البيت الأبيض.
ثانياً: مسقط.. "رئة التنفس" في مضيق هرمز
وهنا يجب أن نتوقف طويلاً. عُمان في العقيدة السياسية الإيرانية هي "بوابة الخروج" دائماً. الوزير الإيراني ذهب ليناقش "أمن الممرات المائية". واشنطن ترى، أن طهران تستخدم ورقة إغلاق مضيق هرمز كـ "مسدس" مصوب إلى رأس الإقتصاد العالمي، بينما ترى مسقط أن دورها هو "نزع الفتيل" قبل الإنفجار الكبير.
ثالثاً: روسيا.. "ظهير الضرورة" في سان بطرسبرج
أما المحطة الثالثة، وهي روسيا، فهي تمثل "العمق الإستراتيجي". إيران تريد أن تقول لواشنطن: "لست وحدي في الميدان". الصحافة الروسية تلمح إلى أن هذه الزيارة تهدف لتنسيق المواقف العسكرية والإقتصادية، خاصة في ظل الحصار البحري الأمريكي الذي شلّ حركة الموانئ الإيرانية.
الإدارة الأمريكية، تنظر إلى هذه التحركات بعين "الريبة المسلحة" وترى أن طهران تحاول "كسب الوقت" و"تفتيت الإجماع الدولي" ضدها.
وأن إيران "تراوغ" ولا تدمج ملفها النووي في صلب مفاوضات وقف الحرب.
ترامب يريد "إتفاقاً شاملاً" ينهي الطموح النووي الإيراني ويوقف دعم الميليشيات، بينما إيران تريد فقط "رفع الحصار" وتأجيل الملف النووي لمرحلة لاحقة. هنا تكمن العقدة التي لا تجد حلاً.
هل نحن بصدد "حرب شاملة" أم "إستنزاف متبادل"؟
الحقيقة التي تفرض نفسها، هي أننا نعيش حالة "لا حرب ولا سلم" بنسخة عسكرية عنيفة.
الأسطول الخامس الأمريكي يطبق الخناق على الصادرات الإيرانية.
هناك إحتكاكات يومية، من مسيرات تستهدف قواعد أمريكية في الكويت، إلى إعتراض ناقلات غاز إيرانية في بحر العرب.
والداخل الإيراني: هناك تحول واضح في بنية النظام الإيراني نحو "حكم عسكري" أكثر تشدداً بعد غياب الرموز التقليدية، مما يجعل التفاوض أكثر تعقيداً.
إن هذه الجولة الدبلوماسية هي "المحاولة الأخيرة" لتجنب الإنزلاق نحو "الهاوية الكبرى"، إيران تحاول مقايضة "أمن الملاحة" بـ "بقاء النظام"، وأمريكا تحاول مقايضة "رفع الحصار" بـ "الإستسلام النووي".
الكرة الآن في ملعب "الإرادة السياسية" فإما أن تنجح وساطة باكستان وعمان في إيجاد "منطقة رمادية" يلتقي فيها الخصمان، وإما أن نجد أنفسنا أمام "إنفجار" لن يقف عند حدود الهضبة الإيرانية، بل سيمتد لهيبه ليحرق أصابع الجميع في هذا العالم المضطرب.