بين أسوار المدينة المحـ.ـرمة وظلال البيت الأبيض.. زلزال التريليون دولار وتوازنات الدم والنار

ياسر بركات
ياسر بركات

حينما يجلس دونالد ترامب في قلب المدينة المحرمة ببكين، محاطاً بهيبة التاريخ الصيني وألغازه، لن يكون الأمر مجرد زيارة بروتوكولية لزعيم القوة الأعظم إلى القوة الصاعدة التي تطرق أبواب المستقبل بعنف،، أننا أمام لحظة فارقة في صراع القوى الكونية، لحظة تختلط فيها رائحة البارود في الشرق الأوسط بصوت آلة الحساب في وول ستريت.

إن القراءة الدقيقة لزيارة الرئيس الأمريكى للصين تشير إلى أننا أمام صفقة القرن الحقيقية؛ صفقة لا تتعلق بحدود جغرافية، بل بإعادة رسم خرائط النفوذ والمال والدم.
ضجت الصحافة االعالمية  بحديث عن تريليون دولار صيني يتدفق كالسيل في العروق الأمريكية، ولكن علينا هنا أن ندقق في الأرقام بعيداً عن صخب الدعاية، فإن الرقم الذي تم تداوله في دهاليز البيت الأبيض لم يكن إستثماراً نقدياً مباشرًا بالمعنى التقليدي، بل كان عبارة عن بروتوكولات نوايا وإتفاقيات تجارية وإستثمارية ضخمة.
   الوثائق تشير إلى صفقات بقيمة تتجاوز 250 مليار دولار (كما حدث في زيارة 2017)، مع وعود برفع سقف التبادل والإستثمار المباشر في البنية التحتية الأمريكية والطاقة والطيران (بوينج) ليصل في مداه الطويل إلى رقم التريليون عبر سندات الخزانة والإستثمارات المشتركة.

   ترامب أراد من هذا الرقم أن يكون حقنة إنعاش لوعوده الإنتخابية ،لكن مراكز الدراسات الأمريكية تحذر من أن هذا الإستثمار الصيني ليس هبة، بل هو إختراق ناعم للسيادة الإقتصادية.
   ويرى أنصار ترامب في ذلك إنتصاراً لسياسة أمريكا أولاً، بينما أنصار الدولة العميقة في واشنطن يرون أن بكين تشتري صمت أمريكا عن ملفات شائكة مقابل حفنة من الدولارات.
ولا يمكن فهم زيارة ترامب للصين دون النظر إلى الخارطة المشتعلة في الخليج العربي، إيران ليست مجرد دولة إقليمية في هذه اللعبة، بل هي رئة الطاقة للصين وخنجر الجغرافيا في خاصرة المصالح الأمريكية.
إن الصين تلعب دور الوسيط الممتنع ،هي لا تريد حرباً شاملة في إيران ترفع أسعار النفط وتدمر طريق الحرير، ولكنها في الوقت نفسه لا تمانع في رؤية أمريكا غارقة في مستنقع فارسي يستنزف مواردها بعيداً عن بحر الصين الجنوبي.
   بكين هي المشتري الأكبر للنفط الإيراني (حوالي 1.4 مليون برميل يومياً قبل التصعيد الأخير). وفي زيارة ترامب، تطُرح المقايضة الكبرى تخفيف الصين لدعمها المالي والعسكري لطهران مقابل تنازلات أمريكية في ملف التعريفات الجمركية وقضية تايوان.

 

وفي المنطقة العربية، وتحديداً في الخليج، فإن هذه الزيارة تحمل بذور تحول دراماتيكي، نحن أمام مشهد يتلخص في 
   تنويع الولاءات لقد أدركت العواصم الخليجية أن المظلة الأمريكية لم تعد هي الوحيدة في السماء. إذا كانت واشنطن تتفاوض مع بكين على رأس إيران أو على إستثمارات تريليونية، فإن مصلحة الخليج قد تصبح عملة صرف في هذه الصفقة.
 الصين الآن هي الشريك التجاري الأول لأغلب دول الخليج ، والزيارة أثبتت أن بكين قادرة على أن تكون جسر التواصل مع طهران حينما تفشل المدافع الأمريكية في حسم المعركة.

 إن الخليج بدأ يميل نحو النموذج الصيني في التنمية، مع الحفاظ على السلاح الأمريكي ، لكن صراع العمالقة (ترامب - شي جين بينج) سيجبر الخليج عاجلاً أم آجلاً على إختيار معسكر، وهو إختيار مرّ كالعلقم
إن ما يجرى في بكين لم يكن صلحاً، بل كان هدنة المحاربين ، ترامب يريد المال لإعادة بناء أمريكا داخلياً وتثبيت عرشه، والصين تريد الوقت لإستكمال صعودها كقوة عظمى وحيدة.

وبين تريليونات الإستثمار وصواريخ الحرب في إيران، يظل الشرق الأوسط هو الرقعة التي تُلعب عليها المباراة ، نحن نعيش في عالم لا يعترف بالضعفاء،

إنها السياسة كما هي، بلا رتوش، وبلا عواطف، صراع إرادات فوق بساط أحمر، يمتد من سور الصين العظيم ليصل إلى شواطئ الخليج، حيث يُكتب التاريخ الجديد بالحبر... وبالزيت أيضا

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

بين أسوار المدينة المحـ.ـرمة وظلال البيت الأبيض.. زلزال التريليون دولار وتوازنات الدم والنار

بقلم ياسر بركات