صفقة ترامب الموقوتة ... حرب واشنطن المكتومة مع تل أبيب وشظاياها في جنوب لبنان

الموجز

تقف منطقة الشرق الأوسط عند نقطة إنكسار إستراتيجي لم تشهدها منذ عقود ، نحن لسنا أمام حدث عابر، بل نحن أمام زلزال سياسي جرت تفاصيله الإلكترونية بين واشنطن وطهران، وإرتدت نيرانة في تلال النبطية وجنوب لبنان، وتجمدت مياهه فجأة فوق قمة منتجع بُرْجنْسْتُوك في سويسرا اليوم.

إن ما جرى اليوم الجمعة، التاسع عشر من يونيو 2026، من تأجيل مفاجئ للقاء الأمريكي الإيراني في سويسرا، لم يكن بسبب عقبات تقنية كما تحاول الدبلوماسية الناعمة تسويقه، بل هو إنعكاس لصدام الإرادات الهائل، وحرب داحس والغبراء المشتعلة خلف الكواليس بين الإدارة الأمريكية في واشنطن من جهة، والمنظومة الحاكمة في تل أبيب من جهة أخرى.

 

 

في يوم الأربعاء الماضي، جرى توقيع ما يُعرف بـ مذكرة تفاهم إسلام آباد بـ 14 نقطة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ، كان التوقيع رقمياً، وعبر قنوات وسيطة قادتها قطر وباكستان، وبمباركة صينية وصفت الحدث بأنه فجر جديد للسلام.

كان هذا الإتفاق بالنسبة لإدارة ترامب بمثابة طوق النجاة للخروج من مستنقع حرب إستمرت قرابة أربعة أشهر منذ فبراير الماضي ، وتكبدت فيها الميزانية الأمريكية مليارات الدولارات، فضلاً عن أزمة وقود عالمية خانقة بعد إغلاق مضيق هرمز ، ترامب أراد إثبات نظريته المفضلة عقد الصفقة الكبرى وتجفيف منابع الحرب دون دفع سنت واحد لإيران خلال فترة التفاوض البالغة 60 يوماً.

لكن، وهنا مكمن الخطر، كيف قرأت إسرائيل هذا المشهد؟

إن تل أبيب رأت في هذا الإتفاق خيانة أمريكية لجهودها العسكرية ، إسرائيل التي إغتالت قامات كبرى في الهيكل الإيراني وحاربت على جبهات متعددة، وجدت نفسها فجأة أمام واقع يمنح طهران إعفاءات نفطية فورية، ويفتح الباب أمام 300 مليار دولار لإعادة الإعمار.

 

 

في هذه الأجواء المشحونة، إنفجرت مواجهة غير مسبوقة داخل أروقة القرار الأمريكي ، فنائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانسوجد نفسه في مواجهة مباشرة وضارية مع المسؤولين الإسرائيليين واللوبي الداعم لهم في واشنطن.

فانس خرج ليوجه إنتقادات لاذعة وحادة للمسؤولين الإسرائيليين الذين هاجموا الإتفاق الأمريكي الإيراني ، هذا الصدام يمثل تحولاً جذرياً في أدبيات السياسة الأمريكية.

عقيدة واشنطن الجديدة لم تعد قادرة على تحمل الفواتير المفتوحة لحروب تل أبيب الإقليمية.

حكومة بنيامين نتنياهو ترى أن أمريكا تفرض عليها قيوداً تمنعها من إكمال ما تسميه تطهير جبهات المقاومة في غزة ولبنان.

وفي المقابل، شنت وسائل الإعلام الأمريكية واليمينية المحافظة هجوماً مستمراً على ترامب، متهمة إياه بالإستسلام لطهران، وتصوير إيران وكأنها خرجت منتصرة من الصراع، وهو ما دفع ترامب اليوم للخروج غاضباً على منصته تروث سوشيال ليعلن بنبرته الحادة المعهودة لم نلتقِ من دافع اليأس، بل هم من فعلوا.. لن يحصلوا على سنت واحد.

 

 

 

وبينما كانت الوفود تحزم حقائبها للتوجه إلى سويسرا لعقد أول إجتماع تقني لتنفيذ الإتفاق اليوم الجمعة، إنطلقت المدافع والطائرات الإسرائيلية لتقول كلمتها بالحديد والنار.

في ساعات الفجر الأولى، صبت الطائرات الإسرائيلية حممها فوق مدينة النبطية وجوارها مما أسفر عن سقوط ما لا يقل عن 16 إلى 18 شهيداً مدنياً، وتدمير البيوت فوق رؤوس ساكنيها ،بررت تل أبيب هذا الجنون العسكري بمقتل أربعة من جنودها، من بينهم ضابط برتبة مقدم، في كمين محكم لرجال المقاومة في الجنوب.

لكن القراءة العميقة لهذا التصعيد لا تكمن في الجانب التكتيكي، بل في التوظيف الإستراتيجي،

أرادت إسرائيل إبلاغ واشنطن وطهران معاً أن مذكرة إسلام آباد لا تساوي قيمة الحبر الذي كُتبت به إذا لم تضمن شروط تل أبيب، وعلى رأسها تفكيك سلاح حزب الله وسحب قواته خلف الخطوط

وتصر إسرائيل على تثبيت حزام أمني بعمق 10 كيلومترات (ما يسمى بالخط الأصفر) في جنوب لبنان، على غرار ما فعلته في غزة، رافضة أي انسحاب تفرضه التفاهمات الأمريكية الإيرانية

 

 

 

ونتيجة لهذا التراشق الناري والسياسي، أعلنت وزارة الخارجية السويسرية اليوم تأجيل المفاوضات التي كان مقرراً إنطلاقها في منتجع البُرْجنْسْتُوك بمشاركة أمريكية إيرانية ورعاية قطرية باكستانية.

لكن الوفد الإيراني رفض صراحة الجلوس على طاولة المفاوضات بينما الدم ينزف في جنوب لبنان، معتبراً أن إستمرار القصف الإسرائيلي هو خرق فاضح لروح الإتفاق الذي ينص على الوقف الشامل لإطلاق النار على كافة الجبهات ، طهران بعثت برسالتها لسنا مستعدين للتفاوض تحت حشرجة الطائرات الإسرائيلية المدعومة بأسلحة أمريكية.

إننا إذاً أمام مشهد معقد تتداخل فيه الخطوط وتتشابك:

واشنطن ترامب وفانس يريدان إغلاق ملف الحرب، وحماية الإقتصاد، وفرض التهدئة الإقليمية بالقوة الناعمة والصفقات الشاملة.

تل أبيب نتنياهو تريد الهروب إلى الأمام، ورفض الإملاءات الأمريكية، والإصرار على إقتطاع مناطق أمنية في لبنان وغزة.

طهران وحلفاؤها تريد فرض معادلة ربط الجبهات، ورفض تقديم أي تنازلات جوهرية في ملفها النووي تحت الضغط العسكري.

 

فالولايات المتحدة، بكل جبروتها الإمبراطوري، تبدو لأول مرة عاجزة عن لجم حليفتها المدللة إسرائيل، التي باتت تتحرك بدافع عقيدة البقاء الوجودي بعيداً عن حسابات المصالح الحيوية لواشنطن،

فهل ينجح ترامب في فرض صفقته خلال الـ 60 يوماً القادمة؟ أم أن المدافع الإسرائيلية في جنوب لبنان ستظل هي الصوت الأعلى، لتثبت أن زلازل الشرق الأوسط لا يمكن التنبؤ بمدى دمارها، وأن قمة البُرْجنْسْتُوك السويسرية قد تظل مغطاة بالجليد لفترة أطول مما يتوقع الجميع؟

المرجح، وأغلب الظن، أن المنطقة لن تشهد سلاماً قريباً، بل هي هدنة المحاربين فوق فوهة بركان مستعر، ينتظر عاصفة أخرى قد تطيح بكل التوازنات الهشة التي رُسمت في غرف المفاوضات المغلقة.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

صفقة ترامب الموقوتة ... حرب واشنطن المكتومة مع تل أبيب وشظاياها في جنوب لبنان

بقلم ياسر بركات