دبلوماسية الخديعة... خفايا التهجير الأنيق ومخطط تفريغ غزة
إن الذي يجري على المسرح الدولي والإقليمي اليوم ليس مجرد تدافع سياسي عادي أو مناورات وقف إطلاق نار عابرة، بل هو عملية هندسة ديموغرافية وجيوسياسية شاملة، تُغلف بعبارات براقة وتُقدم إلى العالم تحت مسمى إحلال السلام وإعادة الإعمار.
نحن أمام حقيقة نصية وسياسية لا تقبل الشك ولا تحتمل المواربة، إننا أمام محاولة لإعادة إنتاج النكبة ولكن برداء قانوني ودبلوماسي مُنمّق.
دعني أصارحك القول ، إن الخطورة الكبرى في مواقف وزراء اليمين الإسرائيلي المتطرف، وفي مقدمتهم وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، لا تكمن فقط في فجاجة نبرتهم العرقية، بل في كونهم يعبرون عن الجوهر الحقيقي للعقيدة الأمنية الإسرائيلية بلا مساحيق تجميل.
حين يخرج سموتريتش ليُعلن صراحة رفضه لخطط السلام المطروحة بما فيها الخطة المنسوبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب فإنه لا يتحرك من فراغ ، إنه يوجه رسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن إسرائيل لا تقبل بقواعد اللعبة الدولية التقليدية.
يطالب سموتريتش بشكل قاطع بمنع دخول أي قوات سلام دولية أو إقليمية إلى قطاع غزة، حظراً تاماً ويقينياً،
ويصر على أن إسرائيل وحدها هي القوة الوحيدة المنوط بها نزع سلاح المقاومة، فرضاً بالقوة وتفكيكاً بالكامل، ويرفض منح أي تفويض أمني لأي طرف آخر،
إن المنطق الذي ينطلق منه هذا الخطاب واضح ومباشر، رفض أي ولاية دولية أو إقليمية تفرض حدوداً على حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية، والإصرار على إبقاء غزة منطقة تحت السيطرة المباشرة أو الحصار المطبق الذي يتيح إعادة رسم مستقبلها الديموغرافي دون رقيب.
وهنا مكمن الخطر الذي يتوجب علينا الوقوف عنده ببالغ التأمل والتحليل؛ إذ نكتشف أن ما يُسمى بـ مجلس السلام المزمع إنشاؤه لإدارة المرحلة الإنتقالية في غزة، قدم تعهدات وضمانات غير معلنة للجانب الإسرائيلي.
هذه التعهدات لا تتحدث عن إعادة التوطين القسري بأسلوب الجرافات والتهديد المباشر بالموت فقط، بل تعتمد التهجير الناعم أو ما يمكن تسميته بالتفريغ الديموغرافي الذكي.
حيث تفريغ غزة وتسهيل خروج الطلاب والمرضى وتوزيعهم على دول العالم ومنع العودة إلى الأبد،
أى تفريغ الفئات الحيوية والتركيز على إيجاد دول مختلفة حول العالم لتسهيل خروج الطلاب لإستكمال دراستهم، والنقل الفوري للمرضى والمصابين لتلقي العلاج.
مع شروط عدم العودة بما يعنى العمل على صياغة ترتيبات إقامة دائمة لهم في تلك الدول، وضمان عدم عودتهم مطلقاً إلى قطاع غزة تحت أي ظرف.
وبذلك تحقق إسرائيل هدف تفريغ القطاع من شريحته الشابة والمتعلمة والمحتاجة للرعاية، دون إثارة غضب المجتمع الدولي ضد مفردات مثل التهجير القسري أو التطهير العرقي.
إنها عملية ترحيل شيك ومُغلفة بدواعي إنسانية مع الرعاية الطبية والمستقبل الأكاديمي، بينما هي في حقيقتها إقتلاع منظم للإنسان الفلسطيني من أرضه عبر إغلاق أبواب العودة أمامه للأبد.
حين نزن هذه التحركات بميزان القانون الدولي والتاريخ الجيوسياسي، يحق لنا أن نطرح الأسئلة الجوهرية التي تحاول أروقة القرار الغربي التغاضي عنها،
أي قانون هذا الذي يجيز تجريد وطن من أبنائه تحت ستار منحهم فرصاً دراسية أو علاجاً طبياً في المنفى؟
أي مجلس سلام هذا الذي يتعهد للطرف المعتدي بضمان عدم عودة المرضى والطلاب إلى ديارهم ومنازلهم؟
هل تحولت المؤسسات الدولية والترتيبات الأمنية إلى أدوات تنفيذية لتحقيق غايات المخططات الإستيطانية وتفريغ الأرض من أصحابها الأصليين؟
إن التاريخ يعلمنا أن التفريغ الديموغرافي حين يرتدي ثوب العاطفة والإنسانية يكون أكثر خطورة وأشد فتكاً؛ لأنه يجرد الضحية من قدرتها على الإحتجاج الشكلي، ويمنح الجاني غطاءً أخلاقياً مُزيّفاً أمام الرأي العام العالمي.
إن قراءة الفكر الإستراتيجي لليمين الإسرائيلي تتطلب منا عدم الإنخداع بالمصطلحات الرنانة، إن تصريحات سموتريتش وتوافقات الكواليس حول تفريغ غزة تحت مسميات براقة تشير إلى أن المعركة القادمة ليست معركة سلاح وحدها، بل هي معركة وجود وديموغرافيا ووعي.
إن السلام الذي يُبنى على سلب الأرض، ونزع سلاح المقاومة بقرار أحادي إسرائيلي، وتشتيت العقول والمرضى في شتات الأرض تحت مسمى الرعاية، ليس سلاماً بأي معيار أخلاقي أو قانوني ، إنه إستسلام مُقنع ومحاولة لتصفية القضية الفلسطينية بالتقسيط الهادئ، وهو ما يتطلب موقفاً عربياً وإقليمياً متماسكاً يدرك أبعاد اللعبة ويضع الحد الفاصل بين السلام الحقيقي ومخططات الإقتلاع الديموغرافي