عندما تتحدث الجغرافيا السياسية ... لماذا أصبحت بيروت خط الدفاع الأول عن طهران؟
من ركام التاريخ وعقد الجغرافيا السياسية، تطل علينا من جديد لحظة حرجة من لحظات الشرق الأوسط، لحظة لا تفصح عن نفسها بالكلمات وحدها، بل بالخرائط المشتعلة وحسابات القوى التي تتصادم تحت السطح وفوقه ،حين يقف رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، ليعلن أمام مؤتمر إتحاد مجالس دول منظمة التعاون الإسلامي في باكو، أن وقف الحرب في لبنان يحمل بالنسبة لطهران ذات الأهمية التي يحملها وقف الحرب في إيران نفسها، فإننا لسنا أمام مجرد تصريح دبلوماسي عابر، أو تعبير إنشائي عن التضامن الأخلاقي،
نحن هنا، أمام إعتراف صريح بـ وحدة الساحات والإستراتيجيات، بل وبأن الخط الدفاعي الأول عن العمق الإيراني لا يبدأ من حدود بوشهر أو جبال زاگرس، وإنما يمتد عميقاً في تفاصيل التلال والوديان بالجنوب اللبناني،
عندما ننظر إلى تفاصيل هذا التصريح نجد أن التوقيت هو التفسير الحقيقي لعمق الكلمات، إن طهران تعيش اليوم في قلب مخاض دبلوماسي وعسكري معقد ، فالتصريحات تأتي في ظل ما يُعرف بـ مذكرة تفاهم إسلام آباد، ذلك الإتفاق المؤقت والمثير للجدل الذي جرى التوقيع عليه إلكترونياً بين الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي دخل حيز التنفيذ في 18 يونيو2026
تنص المادة الأولى من هذه المذكرة بوضوح على الإلتزام بالوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على كافة الجبهات، وبشكل خاص جبهة لبنان ، ومن هنا، فأن حديث قاليباف يعكس محاولة إيرانية مستميتة لربط مصير نظامها الأمني بمصير حلفائها الإقليميين ، إيران تدرك أن أي صفقة ثنائية مع واشنطن تترك حزب الله وحيداً في مواجهة الآلة العسكرية الإسرائيلية، تعني عملياً بتر الذراع الصاروخية الإستراتيجية التي شكلت لسنوات طويلة قوة الردع الأساسية لطهران ضد أي هجوم عسكري مباشر على منشآتها النووية.
لكن ماذا يحدث في الجنوب اللبناني اليوم؟ إن التقارير الميدانية تشير إلى أن المشهد العسكري معقد ومرتفع الكلفة البشريةوالمادية بشكل غير مسبوق ، منذ مطلع مارس، حين تصاعدت وتيرة الهجمات والتوغل الإسرائيلي، وتحول الجنوب اللبناني إلى ساحة قتال ضارية ، ورغم الإعلان عن إتفاقات لوقف إطلاق النار، إلا أن الواقع على الأرض يتحدث بلغة أخرى؛ لغة الخروقات اليومية والقصف المتبادل.
الجيش الإسرائيلي يحاول فرض واقع جغرافي جديد في جنوب نهر الليطاني، عبر عمليات تطهير برية واسعة النطاق وقصف جوي يستهدف البنية التحتية لحزب الله والمناطق السكنية ، في المقابل، فإن مقاتلي حزب الله، ورغم الضربات القاسية التي تلقوها ، يواصلون خوض حرب إستنزاف وكمائن برية وإطلاق طائرات مسيرة وصواريخ قصيرة المدى لمنع إسرائيل من تثبيت نقاط إحتلال دائمة أو توفير الأمن لبلدات الشمال الإسرائيلي،
إنها حرب عض الأصابع بين طرفين؛ إسرائيل التي تريد إنهاء التهديد على حدودها الشمالية بشكل نهائي، وإيران التي ترى في بقاء حزب الله واقفاً على قدميه مسألة حياة أو موت لإستراتيجيتها الإقليمية.
خلف الستار الإستراتيجي والسياسي للمعارك، تختبئ المأساة الإنسانية الأكبر التي تصفها المنظمات الدولية بأنها كارثة جيل كامل وفقاً للأرقام الرسمية اللبنانية المقاربة لتقارير الأمم المتحدة، أسفرت العمليات العسكرية الأخيرة عن مقتل أكثر من 4,100 شخص وإصابة ما يزيد على 12,000 آخرين، أغلبهم من المدنيين والكوادر الطبية،
غير أن المعاناة الحقيقية تكمن في حركة النزوح الهائلة ، فقد تحول ما يقرب من مليون مواطن لبناني في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت إلى نازحين بلا مأوى ، مدن وقرى بأكملها في الجنوب اللبناني سويت بالأرض، وتحولت جغرافيا الزيتون والتبغ إلى أرض محروقة ، التقارير الصادرة عن منظمة الصحة العالمية واليونيسف تحذر من إنهيار كامل للقطاع الصحي اللبناني الذي كان يعاني أساساً من أزمات إقتصادية متراكمة ، المستشفيات المتبقية تعمل فوق طاقتها الإستيعابية، وسط نقص حاد في الأدوية المنقذة للحياة والمستلزمات الطبية الأساسية، مما يضع المجتمع الدولي أمام إختبار أخلاقي حاد يفشل فيه يومياً جراء العجز عن فرض آليات إغاثة مستدامة وآمنة.
في قراءة قاليباف للمستقبل، تبرز لغة لافتة حين يقول إن إيران ترى مستقبل المنطقة ليس في المواجهة بل في التفاعل، وليس في الأمن المستورد بل في الأمن المحلي المشترك، معتبراً أنه لا يمكن لأي دولة في المنطقة أن تجد أمنها في زعزعة أمن الآخرين،
هذه الصياغة، بمفرداتها الدبلوماسية الذكية، تحاول مخاطبة العواصم الخليجية والعربية في لحظة حرجة ، إيران تريد أن تقول للجميع إنها مستعدة لترتيبات أمنية إقليمية جماعية، خاصة مع الدول المطلة على الخليج العربي، شريطة إبعاد المظلة الأمريكية والترتيبات الأمنية التي تقودها واشنطن ، لكن المعضلة المقابلة، هي التناقض البنيوي في الخطاب الإيراني: كيف يمكن الحديث عن أمن محلي مشترك ورفض زعزعة أمن الآخرين، في الوقت ذاته الذي تقر فيه طهران بأن حرباً في بلد عربي آخر لبنان تمثل عمقاً حيوياً موازياً لأمنها القومي الذاتي؟
إن التلازم الذي أوجده رئيس البرلمان الإيراني بين جبهتي لبنان وطهران، يضع المنطقة أمام حقيقة عارية: إن لبنان، هذا الوطن الصغير والمثقل بالجراح، لم يعد مجرد ساحة لمواجهة محلية أو إقليمية محدودة، بل أضحى حجر الزاوية في معادلة التوازن الدولي والإقليمي الكبير ،وإلى أن تنضج شروط الصفقة الكبرى بين واشنطن وطهران، أو ينكسر أحد الأطراف على صخرة الميدان، سيبقى الجنوب اللبناني يدفع من دم أبنائه ومستقبلهم ثمن جغرافيا النار وحسابات الإستراتيجية المفتوحة على كافة الإحتمالات.