لعبة التوازنات الحرجة... الشرق الأوسط بين حلف مكة ورياح طهران
تستوقف المتابع الدقيق لحركة التاريخ والجغرافيا في هذه اللحظة الفارقة من عمر الشرق الأوسط، شواهد ودلالات لا يمكن لعين العقل أن تخطئها، نحن لسنا أمام مجرد جولة جديدة من جولات الصراع الإقليمي التقليدي، بل نحن بصدد تفكيك وإعادة تركيب لخريطة موازين القوى في المنطقة برمتها، ، الشرق الأوسط يقف اليوم على أرض زلقة، بين حافة الإنفجار الشامل وبين التفتت إلى كيانات تتصارع على البقاء.
تجيء تصريحات رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية الأخيرة كشعاع ضوء كاشف، يُفصح عن عمق المأزق الذي تواجهه الإدارة الأمريكية ،إن حديث المؤسسة العسكرية العتيدة في واشنطن عن ضرورة وقف التصعيد العسكري فوراً مع إيران، والبحث العاجل عن أفق سياسي للخروج من أتون هذه الحرب،ليس مجرد صحوة ضمير أو تحول مفاجئ في العقيدة؛ بل هو تعبير صريح عن إدراك عميق لحدود القوة الأمريكية، واشنطن إكتشفت أن القوة العسكرية الغاشمة، مهما بلغت التكنولوجيا الحاكمة لها، عاجزة عن فرض تسوية سياسية إستراتيجية في إقليم متفجر مثل الشرق الأوسط، وأن تكلفة الإستمرار في مواجهة مفتوحة مع طهران أصبحت تتجاوز بكثير قدرة الإقتصاد العالمي وحلفاء واشنطن على الإحتمال.
في المقابل، وعلى الضفة الأخرى من الخليج، تقرأ طهران المشهد برؤية مختلفة تماماً ، إن رفع إيران لسقف شروطها بشأن إعادة فتح مضيق هرمز، وإستدعاء ملف المطالبة بتعويضات ضخمة عما لحق بها من خسائر، يشير إلى أن القرار الإيراني يعتمد إستراتيجية النفس الطويل وإدارة الأزمات عند الحافة الحادة ،طهران تدرك أن إختناق المضيق يعني إختناق الإقتصاد الغربي، وهي تستخدم هذه الورقة الشديدة الحساسية لفرض شروطها وتأكيد مكانتها كلاعب إقليمي لا يمكن تجاوزه أو إغفاله في أي معادلة أمنية قادمة.
وفي خضم هذا التلاطم الإستراتيجي، تبرز التحركات الإقليمية الأخرى كمحاولة لبناء سدود أمان في مواجهة العاصفة ، تجسد ذلك في المبادرة التي جمعت الرياض وأنقرة وإسلام آباد لتوقيع ما بات يُعرف بـ إتفاق مكة ، هذا الحلف الإسلامي-الإقليمي الثلاثي يحمل في طياته دلالات جيو-سياسية بالغة الأهمية؛ فهو يسعى إلى خلق محور توازن يمنع إنزلاق المنطقة نحو الهيمنة المطلقة لأي طرف، ويحمي الإستقرار الإقليمي بأيدٍ إقليمية ، غير أن رد الفعل الإيراني السريع، والذي وصف الإتفاق بأنه مجرد ورق لا يغير من حقائق الميدان شيئاً ، يعكس عمق الفجوة والشكوك المتبادلة بين القوى الرئيسية في المنطقة، ويكشف أن الإتفاقات السياسية ستظل هشّة ما لم تتوج بتوافق إقليمي شامل يضم كافة الأطراف الفاعلة.
ببساطة شديدة ودون تعقيدات الشرق الأوسط يتجه نحو سيناريوهات ثلاثة :
سيناريو التسوية الكبرى، الوصول إلى تفاهم نفعي مؤلم ينطوي على تنازلات متقابلة بين واشنطن وطهران، ويؤدي إلى صياغة نظام أمني إقليمي جديد يضمن تدفق النفط ويعيد تنظيم التوازنات.
سيناريو الإستنزاف الطويل ، بقاء المنطقة في منطقة اللاحرب واللاسلام، حيث تستمر الحروب بالوكالة، والضغوط الإقتصادية، والمناوشات البحرية، مما يؤدي إلى تآكل تدريجي لبنية الدول الوطنية.
سيناريو الإنفجار الكبير ، إتساع رقعة المواجهة نتيجة أي خطأ في الحسابات عند مضيق هرمز أو غيره، مما يدفع المنطقة بكاملها نحو حريق إقليمي شامل لا يمكن التنبؤ بمدى شرارته.
إن الحقيقة الساطعة التي ينبغي أن تدركها العواصم العربية والإقليمية هي أن القوة العسكرية وحدها لا تصنع إستقراراً، وأن القواعد الأمريكية أو الضمانات الخارجية لم تعد حائلاً دون وقوع الكارثة ، إن مستقبل الشرق الأوسط يتشكل اليوم على وقع تحولات دراماتيكية في النظام الدولي ككل؛ حيث يتراجع نفوذ القطب الواحد لصالح عالم متعدد الأقطاب تحاول فيه القوى الإقليمية إعادة رسم حدود أدوارها.
إن المنطقة تقف اليوم على مفترق طرق تاريخي؛ إما أن تدرك عواصمها أن المصير مشترك وأن الحل يكمن في حوار إقليمي شجاع يضع الأمن القومي للإقليم فوق المصالح الضيقة، وإما أن تظل ساحة للصراع بين الإرادات الدولية والإقليمية، يدفع ثمنها أبناء هذه المنطقة من أمنهم وإستقرارهم ومستقبل أجيالهم القادمة.