لحظة الحقيقة على خطوط التماس: عواصف بيروت، شظايا دمشق، وصفقة ترامب الكبرى
عند النظر للمربع الحرج الممتد بين بيروت ودمشق، نجد أنفسنا مدفوعين، وبحكم حركة التاريخوالجغرافيا، إلى قراءة الأحداث لا كشظايا متناثرة، بل كخطوط متقاطعة في لوحة إستراتيجية بالغةالتعقيد ، إن ما جرى ويجري في الساعات الأخيرة ليس مجرد تصريح عابر لرئيس الوزراء اللبناني، ولامجرد تفجير غامض في عمق العاصمة السورية، بل نحن أمام لحظة مكاشفة إستراتيجية صاخبة، تتقاطعفيها إرادات دولية وقوى إقليمية تعيد رسم موازين القوى تحت مظلة إدارة أمريكية جديدة في واشنطنيقودها دونالد ترامب ببراجماتية حادة،
حين يخرج رئيس الوزراء اللبناني، ليعلن بنبرة حاسمة ، لن نخضع لإبتزاز حزب الله ، فإننا لا نستمع هناإلى مجرد مناكفة سياسية محلية بالمفهوم اللبناني التقليدي ، بل تحول فى الموقف تحولاً جوهرياً،
إن رئيس الحكومة في بيروت يتحرك اليوم وهو يستشعر تبدلاً في موازين القوة الإقليمية والدولية ،بعدجولتين من المواجهات القاسية التي أنهكت البنية التحتية والإقتصادية للبنان، يجد الحكم المركزينفسه مدفوعاً بضغط شعبي وعربي ودولي عارم لفرض منطق الدولة على منطق الدويلة،
يدرك رئيس الوزراء أن الإستمرار في تغطية سلاح الحزب خارج إطار الدولة بات إنتحاراً سياسياً وإقتصادياً،خصوصاً مع بروز ملامح إتفاقات وترتيبات دولية (مدعومة من واشنطن وباريس والرياض) تسعى لتعزيزقدرات الجيش اللبناني كقوة وحيدة تبسط سيادتها على كامل التراب الوطني، تطبيقاً للقرار الدولي 1701 وإتفاق الطائف،
الرفض اللبناني لـ الإبتزاز أو التهديد بـ الحرب الأهلية هو إعلان صريح بأن الهيكل اللبناني لم يعد قادراًعلى تحمل فواتير الصراعات الإقليمية بالوكالة، وأن ثمن الصمت بات أغلى من ثمن المواجهة السياسية.
في اللحظة التي كان فيها وزير الخارجية السوري يحل ضيفاً في بيروت لبحث ملفات شائكة وعلى رأسهاضبط الحدود ومنع تدفق السلاح والترتيبات الأمنية الجديدة هزت العاصمة السورية دمشق إنفجاراتمدوية إستهدفت مقاهٍ ومواقع حيوية آخرها قرب قصر العدل،
هذه الإنفجارات تحمل دلالات خطيرة ،منها :
أن قواعد اللعبة قد تغيرت، وأن العمق السوري بات مكشوفاً بشكل كامل، ولم يعد ساحة خلفية آمنةللإمداد أو المناورة،
وأن وقوع الإنفجارات بالتزامن مع الحراك الدبلوماسي السوري اللبناني يوجه رسالة بالغة القسوة للنظامالسوري مفادها إن أي محاولة لتقديم تنازلات أو الإنخراط في ترتيبات أمنية إقليمية تُبعد دمشق عنالمحور الإيراني سيقابلها إهتزاز أمني مباشر في الداخل السوري ،ومن هذة الدلالات وجود صراع أجنحةونفوذ فهناك صراعاً صامتاً ومحتدماً داخل الأراضي السورية بين رغبة موسكو وبغداد في تهدئة الساحةالسورية لإنجاح الحلول السياسية، وبين إصرار أطراف مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني على إبقاء الجبهةمشتعلة كخط دفاع متقدم.
هنا نأتي إلى العقل المحرك في واشنطن ، ما الذي يريده الرئيس دونالد ترامب من سوريا في هذهالمعادلة؟
إذا عدنا إلى إستراتيجية الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب لعام 2026 الصادرة عن البيت الأبيض، فإنرؤية ترامب تتلخص في مبدأ السلام من خلال القوة وتفكيك شبكات النفوذ الإيراني عبر تكتيكات مغايرةتماماً للإدارات السابقة،
ترامب يريد من سوريا أمرين أساسيين يرتبطان مباشرة بالملف اللبناني،
هو يرى أن مفتاح إضعاف حزب الله وتجريده من سلاحه المتقدم لا يكمن في بيروت فقط، بل في الممرالبري القادم من طهران عبر بغداد ودمشق ،و يمارس ضغوطاً هائلة على دمشق عبر حزمة عقوباتمشددة وعبر التلويح بضربات عسكرية نوعية لإجبار النظام السوري على إغلاق الحدود والإمتناع عنكونها منصة لوجستية لإمداد الحزب بالمسيرات والصواريخ الدقيقة، وبما أن
ترامب رجل صفقات بالدرجة الأولى وعلية تلوح واشنطن لدمشق بـ إما القبول بترتيبات أمنية إقليميةتفك الإرتباط العضوي مع طهران وتضمن أمن الحدود الشمالية لإسرائيل، مقابل تخفيف عزلة دمشقالدولية والبدء في مشاريع إعادة الإعمار، وإما الإستمرار في تحمل الضربات الأمنية والإقتصادية التي قدتؤدي إلى إنهيار الهيكل السوري بأكمله،
إننا إذاً أمام مشهد تتداخل فيه النيران بالدبلوماسية؛ رئيس وزراء لبناني يحاول إستعادة قرار الدولة مستنداً إلى ظهير دولي وعربي، وعاصمة سورية تتلقى ضربات أمنية تحذيرية في رسائل مشفرة بالبارود،وإدارة أمريكية في واشنطن تقود حرباً ذكية لتقليم أظافر الخصوم دون الإنزلاق إلى حروب جيوشتقليدية واسعة،
التاريخ يعلمنا أن الخطوط حين تتقاطع في هذه المنطقة من العالم، فإن الهزات الإرتدادية تكون سريعةومفاجئة ، والسؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس عما إذا كان لبنان وسوريا سيخضعان للترتيباتالجديدة، بل عن حجم الكلفة والدماء التي ستدفعها هذه المنطقة حتى تستقر اللوحة الإستراتيجية علىملامحها النهائية.