عقدة الخريطة والمفتاح ...عندما تخشى الترسانة الإسرائيلية الذاكرة التاريخية
تستوقفني دائمًا في التحليلات السياسية والإستراتيجية تلك اللحظات الفاصلة التي تخرج فيها الشواهد الصامتة عن صمتها، لتفضح جوهر الأزمة وعمق الهلع المستتر خلف أقنعة القوة العاتية،
في غضون الأسابيع والشهور الأخيرة، تتجلى صورة مركبة للمشهد الإقليمي ، عربدة عسكرية غير مسبوقة وتمدد طليق في الضفة الغربية المحتلة، يرافقه إتساع لقوس المواجهة في الجنوب اللبناني، فضلاً عن حرب الإبادة والإنهاك الشامل في قطاع غزة ، لكن الظاهرة الأشد إيلاماً وإنسحاقاً للمفاهيم القانونية والإنسانية، هي تلك التي تجري في أزقة القدس والضفة الغربية تحت أسم الهدم الذاتي،
أي قانون هذا ؟
وأي عدالة دولية تلك التي تقف عاجزة ومكبلة أمام مشهد يُجبر فيه المواطن الفلسطيني صاحب الأرض والدار على أن يحمل معول الهدم بيده ليطمس بدموعه وعرقه شقاء عمره وأحلام أبنائه ؟ تخيل حجم القهر الإنساني والمرارة المطلقة عندما يُخير الإنسان بين أن يهدم بيته بيده، أو أن يدفع للسلطة المحتلة تكاليف جرافاتها التي تأتي لتمحو وجوده! .
إنها ليست مجرد قضية تراخيص بناء كما تزعم البيروقراطية العسكرية الإسرائيلية المجرمة ، بل هي أداة سيكولوجية وسياسية مبرمجة تهدف إلى تفكيك إرادة البقاء لدى الإنسان الفلسطيني.
ويرتبط هذا المشهد العنيف في الضفة الغربية بما يجري على الجبهات الأخرى ، فالعربدة الممتدة إلى الجنوب اللبناني، وإستعراض القوة النارية المفرطة، والتدمير الممنهج في غزة، لا تعبر في حقيقتها عن إستراتيجية نصر بقدر ما تعبر عن أزمة ردع وعقدة أمنية متأصلة ، القوة عندما تفقد سقفها السياسي والمقاصد العقلانية تتحول إلى بطش مجرد، والبطش المجرد ،كما تعلمنا دروس التاريخ وعلوم الإستراتيجية ، هو التعبير الأوضح عن الفشل في فرض الإرادة السياسية على الطرف الآخر.
وهنا نصل إلى مفارقة مذهلة فبينما يمتلك الجيش الإسرائيلي أحدث ما أنتجته الترسانة الأمريكية من تكنولوجيا التدمير، نجد أن المؤسسة السياسية والأمنية في تل أبيب يصيبها الهلع والإضطراب لمجرد ظهور رمز سياسي أو جغرافيا مكتوبة.
لقد رأينا كيف إهتزت المحافل السياسية في إسرائيل وسارعت إلى الإحتجاج الشديد والتنديد لمجرد ظهور خريطة لفلسطين التاريخية يُجاورها مفتاح العودة، وذلك خلال لقاء رسمي جمع وزير الخارجية التركي برئيس الوزراء الليبي في العاصمة طرابلس، صورة واحدة، ومفتاح معدني رمزي، كانا كافيين لإشعال حالة من الغضب والهلع في تل أبيب.
لماذا تثير خريطة رسمت على قطعة قماش أو درع تذكاري كل هذا الذعر لدى دولة تمتلك السلاح النووي والأقمار الصناعية؟.
الجواب يكمن في عمق العقدة النفسية للمشروع الصهيوني، إن تل أبيب تدرك في قرارة أجهزتها الأمنية أن القوة العسكرية قادرة على تدمير الحجر، وقتل البشر، وجرف الحقول، ولكنها عاجزة تماماً عن محو الذاكرة التاريخية ، مفتاح العودة والخريطة الممتدة من النهر إلى البحر ليسا مجرد رسومات، بل هما تجسيد للشرعية الحقوقية ولحقيقة أن صاحب الأرض لا يزال يحفظ عنوان بيته الأول، ويرفض أن يقع في فخ النسيان الذي راهن عليه الرعيل الأول من قادة إسرائيل حين قالوا: الكبار يموتون والصغار ينسون.
إن العنف المفرط والتدمير المادي الشامل لا يؤديان إلى القضاء على المقاومة أو إنهاء القضية الفلسطينية، بل إن مجريات الأحداث تزيد من أجيال غاضبة وأكثر تمسكاً بالهوية الوطنية، مما يعني أن الإستقرار الأمني لإسرائيل أضحي أبعد من أي وقت مضى.
كما أن الممارسات الإسرائيلية في الضفة وغزة، وسياسات الهدم الذاتي والتهجير، قد أطاحت بالغطاء الأخلاقي الذي طالما تستر خلفه الغرب ، إسرائيل اليوم باتت تُعامل في الرأي العام العالمي والمحاكم الدولية ،كالمحكمة الجنائية ومحكمة العدل الدولية، كدولة تمارس الفصل العنصري وتتحدى القانون الدولي بصلف.
إن الديموغرافيا والجغرافيا في الشرق الأوسط تعطي ميزة طويلة المدى لأصحاب الأرض، إن محاولة قسر التاريخ وإلغاء الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني عبر موازين القوى الراهنة هي عملية غير قابلة للإستدامة الإستراتيجية.
إننا أمام لحظة مواجهة بين زائل وثابت ، الجيوش مهما بلغت قوتها، والتجبر مهما بلغ مداه، لا يمكنهما إعادة كتابة قواعد التاريخ الجغرافي والإنساني،إن الرجل الفلسطيني الذي يُكره اليوم على هدم بيته بيده وهو يبكي، يغرس في قلوب أبنائه وأحفاده عقيدة لا تزول بأن هذا البيت وإن صار ركاماً هو ملكه، وأن القوة التي هدمته هي قوة طارئة وغاشمة تصادم حركة التاريخ.
تخبرنا تجارب التاريخ الحديث ،من فيتنام إلى الجزائر وصولاً إلى جنوب أفريقيا ، أن أنظمة القهر والإحتلال تبلغ ذروة بطشها وعربدتها عندما تبدأ في إستشعار إنسداد الأفق السياسي، وعندما تكتشف أن التفوق العسكري لم يعد يترجم إلى إنتصار سياسي دائم.
إن تل أبيب التي تبكي وتصرخ من خريطة ورقية ومفتاح رمزي، تعرف جيداً أن الأسلحة الذكية والمقاتلات الحديثة لا تستطيع إبطال الحقوق التاريخية الموثقة ، وحين تنقشع غبار المعارك، ومهما طال ليل الظلم والقهر، ستبقى الحقيقة الناصعة التي تؤكدها سنن التاريخ: أن القوة الغاشمة قد تسود لليلة، ولكن الحق في النهاية لا بد أن يعود لأصحاب الأرض.