حين يتنفس الركام تاريخاً.. استشهاد كاسر خطة الجنرالات وفيزياء البقاء في غزة

إن الاغتيال الأخير الذي طال القيادي البارز في كتائب القسام، عز الدين البيك أبو حمزة قائد لواء شمال قطاع غزة ليس مجرد حدث عابر في سجل المواجهة المتصلة؛ بل هو نقطة كاشفة تفصح عن أزمة العقل العسكري الإسرائيلي، وتؤكد في الوقت ذاته حالة المرونة العالية التي تتمتع بها المقاومة الفلسطينية.


عز الدين البيك لم يكن مجرد قيادي ميداني عادي، لقد وُلد البيك عام 1981 في مخيم جباليا ذلك المخيم الذي يمثل الذاكرة الصلبة للثورة وترعرع في مساجدها وصفوفها الأولى، تولى لسنوات قيادة كتيبة الشهيد عماد عقل غرب جباليا، وركن الاستخبارات العسكرية في الشمال، وصولاً إلى قيادة الوحدة الخاصة الأولى ، لكن تحوله الإستراتيجي الأبرز حدث عقب استشهاد القائد التاريخي للواء الشمال، أحمد الغندور، في أواخر عام 2023 في تلك اللحظة الحرجة، تولى البيك إعادة ضبط الإيقاع العملياتي. 

 

وتكررت ألقابٌ وصفاتٌ أُسبغَت على هذا الرجل، تعكس حجم الأرق الذي سببه لغرف العمليات في تل أبيب، منها كاسر خطة الجنرالات:
وهو اللقب الأكثر تداولاً ،ولقد توقفت كثيراً عند الدبابات الإسرائيلية التي حاصرت شمال غزة بهدف تفريغه وإعادة ترتيبه ديمغرافياً وعسكرياً وفق ما عُرف بـ خطة الجنرالات ، غير أن التكتيكات التي أدارها البيك عبر مجموعات شبكية صغيرة وخفيفة الحركة تستخدم أنفاقاً مقطوعة جغرافياً أحبطت مفهوم السيطرة الدائمة وجعلت الإقامة الإسرائيلية في الشمال مكلفة بامتياز.


أنه المزج النادر بين العمل الاستخباري المسبق والتنفيذ الميداني الخشن؛ حيث نسّق عمليات الكمائن والمصائد المركبة التي استهدفت آليات الاحتلال على مدار أشهر الحرب.
لقد نجا من محاولة اغتيال محققة في مايو الماضي استهدفت مقراً كان يتردد عليه، ليعاود إدارة العمليات من قلب الأحياء المدمّرة حتى لحظة استشهاده رفقة مرافقه في سبتمبر 2026

 

وتظن المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة في كل مرة تنجح فيها مسيّرة أو صاروخ موجه في اختراق شقة سكنية بمدينة غزة أنها حسمت المعركة وأنهت قدرة الخصم على القتال! وهذا جهل فاضح بفيزياء التنظيمات العقائدية التي تعمل بأسلوب اللامركزية العالية.
إن بنية القسام في لواء الشمال كما أثبتت التجربة منذ رحيل أحمد الجعبري وقبله صلاح شحادة وصولاً إلى أحمد الغندورلا تعتمد على القائد الفرد ، حين سقط الغندور، تولى عز الدين البيك مهامه بدون انقطاع عملياتي؛ وحين يستشهد البيك، يستلم الصف الثاني والصف الثالث الراية فوراً بناءً على تراتبية مسبقة لا تنتظر أوامر مركزية.
الشمال اليوم ليس جيشاً نظامياً يحتاج إلى قيادة وسيطرة تقليديتين ، وغياب القائد يترك أثراً نفسياً وعاطفياً بلا شك، لكنه لا يوقف العبوات الناسفة عن الانفجار تحت أجنحة الآليات المتقدمة.
لقد خاضت إسرائيل حرباً طويلة باستهداف الشقق السكنية وقتل المدنيين والنساء والأطفال في غارات،
وأحرقت فيها كل قواعد القانون الدولي، لكنها ظلت تعاني من سقف نصر مفقود.
إن اغتيال عز الدين البيك يُسجَّل في تل أبيب كـ إنجاز تكتيكي للجيش والشاباك؛ يُعرض في المؤتمرات الصحفية لامتصاص غضب الشارع الإسرائيلي وضمان استمرار الائتلاف الحاكم ، لكنه في الواقع السياسي لا يغير من معادلة الحرب شيئاً ، فالأرض ما زالت محتلة، والسكان ينبتون من بين الركام، والجيل الجديد الذي رأى أهله يُقتلون تحت أنقاض جباليا والرمال والنصر هو الخزان البشري القادم لكتائب المقاومة.
استشهد عز الدين البيك وذهب إلى جوار ربه ليغدو رقماً جديداً في قائمة طويلة من قادة غزة الذين قضوا على طريق إحياء القضية. غير أن الدرس الاستراتيجي الصارم الذي يفرضه الواقع يقول: إن الحركة التي تستطيع أن تخرج من تحت أطنان القنابل لتصنع قائداً مثل البيك خَلَفاً للغندور، قادرة بغير شك على إنجاب القيادي التالي والجيل التالي،
ستستمر الجرائم والضغط العسكري الإسرائيلي، لكن غزة أثبتت عبر السنين والحروب أنها ليست خريطة تُمسح بقصف طائرة، بل هي فكرة.. والفكرة لا تموت بالرصاص ولا تُنسى بالتقادم.
 

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

حين يتنفس الركام تاريخاً.. استشهاد كاسر خطة الجنرالات وفيزياء البقاء في غزة

بقلم ياسر بركات