بين منطق الدولة وعقلية السوق ... خريف الدبلوماسية الأمريكية في مضيق هرمز

الموجز

حين نتأمل المشهد الدولي الراهن، وتحديداً تلك التفاعلات الجارية على خطوط التماس الملتهبة في الشرق الأوسط، تشعر وكأنك لا تقرأ صفحات في كتاب السياسة الدولية، بل تقرأ في فصول دراما عبثية لم تعرفها العلاقات بين الدول من قبل،

إن السير العادي للتاريخ كان يفرض علينا دائماً التمييز بين لغتين لغة الدولة بما تحمله من وقار، ومسؤولية، وتوثيق للمعلومة، ولغة السوق بما فيها من مساومات، ومضاربات، وبحث عن الربح السريع ، لكن ما نراه اليوم من واشنطن، وتحديداً في تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة، يخلط الأوراق خلطاً خطيراً، ويضع العالم أمام تساؤل جوهري هل نحن أمام تصريحات رئيس الدولة الأكبر في العالم، أم أمام منطق مواطن عادي يدير شؤونه من وراء شاشة هاتف ذكي؟.

يعلن الرئيس ترامب أن الولايات المتحدة مستعدة لتكون الحامية لمضيق هرمز، هذا الممر المائي الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، ولكن وهنا تكمن المفاجأة الدبلوماسية مقابل إتاوة أو رسوم تبلغ 20% على جميع الشحنات المارة لتمويل هذه الحماية،

هذا الطرح، يمثل إنقلاباً جذرياً في مفهوم الإمبراطورية،

تاريخياً، كانت القوى العظمى تحمي الممرات المائية الدولية كجزء من مسؤوليتها الأدبية والإستراتيجية لتأمين حرية التجارة، وكأداة لفرض هيمنتها السياسية ، أما أن تتحول الحماية الإستراتيجية إلى عقد مقاولات تفرض فيه الدولة العظمى نسبة مئوية كأي شركة أمن خاصة، فهذا خروج كامل عن قواعد القانون الدولي وإتفاقية جنيف لأعالي البحار،

لقد جاء الرد الإيراني سريعاً بالرفض القاطع؛ فطهران ترى في هذا الإجراء ليس فقط إبتزازاً مالياً، بل محاولة لشرعنة الوجود العسكري الأمريكي وتحويل المضيق إلى منطقة جباية دولية، مما يزيد من إحتمالات الإنفجار في هذه البقعة المشتعلة من العالم،

الشق الآخر والأكثر خطورة في سلوك الإدارة الأمريكية الحالية يكمن في المعلومة والإستخبارات ، حين يخرج رئيس الولايات المتحدة ليتحدث عن مصير قيادات دولة إقليمية كبيرة كإيران، ويشير إلى أن مجتبى خامنئي الذي صعد ليكون المرشد الأعلى الجديد بعد مقتل والده في الضربات الجوية قد قُتل أو أُصيب، ثم يتبين أن الرجل ما زال حياً، ويصدر بيانات يتوعد فيها بالإنتقام؛ هنا نحن أمام أزمة مصداقية حادة،

في العرف السياسي الكلاسيكي، تصريحات رئيس القوة الأعظم يجب أن تكون عبر وكالة موثقة ،تستند إلى تقارير إستخباراتية

قطعية ،تحسب بدقة أثر الكلمة على أسواق النفط، وعلى قرار الحرب والسلم.

أما أن يعامل رئيس دولة ملفات إغتيال القادة وصعودهم كـ مانشيتات مثيرة في وسائل التواصل الإجتماعي، دون تثبت، فهذا ينقلنا من عالم الدبلوماسية الرصينة إلى عالم الشائعات السياسية،

أننا لسنا أمام جهل من الرئيس الأمريكي، بل أمام منهج تفاوضي حافته الهاوية ، ترامب يدير السياسة الخارجية بعقلية رجل العقارات الذي يبدأ بطلب الحد الأقصى 20% رسوم، والتهديد بإبادة شاملة، ليجبر الخصم على الجلوس والتفاوض من موقع ضعف،

لكن الأزمة تكمن في أن الدول ليست شركات، والكرامة الوطنية للشعوب لا تخضع لحسابات المكسب والخسارة في دفاتر التجارة، حين تغيب الدبلوماسية الموثقة، وتتحول التصريحات الرسمية إلى مادة تفتقر للدقة، يفقد الحلفاء ثقتهم في المظلة الأمريكية، ويفقد الخصوم الخوف من التهديد لأنهم يدركون أنه جزء من البروباجندا وليس خطة عسكرية محكمة ،

 

 

إن أخطر ما يواجه العالم اليوم ليس قوة أمريكا، بل خفة القرار في واشنطن، عندما يتحدث رئيس القوة الأعظم بمنطق المواطن العادي الذي يطلق الأحكام مرسلة دون توثيق، يصبح النظام الدولي كله بلا ضابط، وتتحول إستراتيجيات الدفاع إلى صفقات تجارية معروضة في مزاد علني. 

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

بين منطق الدولة وعقلية السوق ... خريف الدبلوماسية الأمريكية في مضيق هرمز

بقلم ياسر بركات