في أروقة القرار وإستراتيجيات المواجهة .. شبح الحداد العام ومأزق القوة الأمريكية في الشرق الأوسط
دعني أبدأ من نقطة قد تبدو بعيدة عن صخب البيانات العسكرية، لكنها تقع في قلب الصراع ومفاصله الأساسية؛ ذلك أن التاريخ في هذه المنطقة من العالم لا يسير في خطوط مستقيمة، بل في دوائر متداخلة من حسابات القوة، وبنوك الأهداف، وإرادات التحمل،
حين يقف المرء أمام المشهد الإقليمي الراهن، ويستمع إلى البيان الصادر عن قيادة الحرس الثوري الإيراني وهو البيان الذي تحول إلى حديث الساعة في عواصم القرار السياسي والعسكري من واشنطن إلى طوكيو يجد نفسه أمام خطاب إستراتيجي لا يتقاطع مع الأدبيات الدبلوماسية المعتادة ، إن الحديث الإيراني المعلن عن تجهيز عملية عسكرية مقبلة ستفضي إلى إعلان الحداد العام في الولايات المتحدة ، مدفوعاً بوصف ليلة الأمس بأنها كانت ليلة سوداء على القوات الأمريكية وراداراتها، ليس مجرد جولة جديدة في الحرب النفسية، بل هو مؤشر على تحول مادي وفكري في إدارة صراع الإرادات فوق الرقعة الممتدة من مياه الخليج ومضيق هرمز وصولاً إلى القواعد الممتدة في الصحراء.
عند قراءة البيان الإيراني بقواعد التحليل الإستراتيجي، نلاحظ أن الخطاب إنتقل من مرحلة إحتواء الضربات إلى مرحلة فرض الكلفة العالية ، فحين تعلن قيادة الحرس الثوري أن ضربات الليلة الماضية حولت الرادارات ومنظومات الدفاع الجوي المعقدة في قواعد المنطقة إلى نقاط عمياء في ليلة سوداء، فإنها لا تخاطب الداخل الإيراني فحسب، بل تبعث برسالة مشفرة ومباشرة إلى غرفة العمليات المشتركة في البنتاجون،
إن إستهداف المنظومات الحيوية كمنظومات باتريوت أو الرادارات المتقدمة يهدف إلى تجريد التفوق التكنولوجي الأمريكي من فاعليته ، والوعيد بإجراء يجعل واشنطن تعلن الحداد العام يعني بلغة العسكريين أن بنك الأهداف القادم يتجاوز حافة المناوشة الحدودية، ليمس القواعد الرئيسية، والقطع البحرية الكبرى، أو التجمعات البشرية للجيش الأمريكي في المنطقة،
تلك لغة إستراتيجية خطيرة، تجعل صناع القرار في البيت الأبيض أمام معادلة صفرية ، إما إمتصاص الضربات والإعتراف بحدود القوة، أو الإندفاع نحو مواجهة شاسعة تدرك واشنطن قبل غيرها أنها ستكون بلا أفق محدد وبلا نهاية مضمونة.
واشنطن سقطت في وهم الردع بالضربات التكتيكية ، كل موجة ضربات أمريكية توحي بفرض الهيبة للوهلة الأولى، لكنها ما تلبث أن تُقابل بردود إيرانية أشد جرأة وأكثر دقة، مما يعني أن الضربات الأمريكية لم تحقق الردع، بل على العكس كشفت عن حدود قدرة واشنطن على منع الخصم من المبادرة،
إن الانتشار العسكري الأمريكي في الخليج والشرق الأوسط والذي كان يُنظر إليه تاريخياً كـ ذراع للسيطرة والنفوذ تحول في الواقع الميداني إلى أهداف ثابتة معرضة لخطر المسيرات والصواريخ الفرط صوتية ، مما يضع القيادة العسكرية أمام خيارات أحلاها مرّ إما الإنسحاب والتراجع الإقليمي، أو البقاء تحت تهديد النيران الدائمة،
عسكرياً، نجحت واشنطن في تدمير بعض البنى التحتية والتجهيزات التكتيكية، لكنها فشلت في تفكيك البنية الهيكلية للقدرات الإيرانية أو تعطيل شبكة حلفائها،
وسياسياً، لم تستطع الإدارات المتعاقبة فرض الشروط الأمريكية على طهران، بل إن هذه الضربات زادت من صلابة الموقف الإيراني ودفعته لإبداء جرأة غير مسبوقة في تهديد العمق العسكري الأمريكي،
وإستراتيجياً ، تحول الشرق الأوسط من ميدان لإستعراض الهيمنة الأمريكية إلى مستنقع إستنزاف يلتهم الموارد والتركيز الذهني لواشنطن، في وقت تحاول فيه توجيه ثقلها نحو التنافس الأكبر مع الصين وروسيا ،
وهنا تظهر الحقيقة الصلبة التي طالما علمتنا إياها دروس الصراعات الكبرى ، إن القوة الفائقة والتكنولوجيا المتقدمة لا تحسمان الصراع إذا واجهتا جغرافيا صعبة، وإرادة قتالية تستعذب الصمود، وإستراتيجية تعتمد على إمتصاص الضربة الأولى لإعادة توجيهها بكلفة أثقل،
إن القول بأن ليلة الأمس كانت ليلة سوداء وأن الأيام القادمة قد تحمل إعلاناً للحداد العام في واشنطن، يحمل في طياته إنذاراً مبكراً بضرورة إعادة قراءة المشهد كلياً،
القوة العظمى التي تعتمد فقط على حجم أسطولها وثقل ترسانتها، دون أن تملك رؤية سياسية حقيقية تلامس جذور الأزمات في المنطقة، تجد نفسها في النهاية تدور في حلقات مفرغة من العنف؛ حيث كل ضربة تمهد لضربة أكبر، وحيث كل خطوة لإظهار الهيبة تنتهي بكشف أعمق لهشاشتها،
نحن إذن لسنا أمام ليلة سوداء مرت في الميدان، بل أمام لحظة الحقيقة الإستراتيجية التي ستجبر واشنطن، عاجلاً أم أجلاً، على التفكير في الإجابة عن سؤال إلى متى يمكن للقوة العسكرية أن تنوب عن العقل السياسي؟