بين صمت العالم وفجيعة الركام ... غزة تُشيع أبناءها وتكشف زيف الصفقات

الموجز

جلسنا طويلاً على هذا الشاطئ الشرقي للمحيط الإنساني، نرقب غبار التاريخ وهو يتراكم فوق الوعود الدولية، ونسجل كيف تُباع القضايا الشريفة في أسواق النخاسة السياسية بإمضاءات براقة وألقاب رنانة ، واليوم، ونحن ننظر إلى المشهد الممتد بين واشنطن وتل أبيب، ومن خلال ما يسمى مجلس السلام الذي صاغته إدارة دونالد ترامب بالتوافق الشامل مع مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، لا نملك إلا أن نستحضر القواعد الإستراتيجية الحاكمة للصراعات الكبرى، إن السلام الذي لا يبني على العدل، ولا يعترف بأصل الحق، ليس سلاماً؛ بل هو هندسة قسرية للإستسلام، وثيقة تُكتب بمداد القوة لإملاء إرادة الغالب على المغلوب.

كيف يجري الآن تفكيك التفاهمات الأولى وإعادة صياغة المشهد الإقليمي ، وبدلاً من أن يكون الإتفاق مدخلاً لإنهاء المأساة، تحول إلى إنقلاب صريح على المقاصد السياسية والإنسانية التي بُنيت عليها المبادرات الدولية.

 

 

 

هناك تحولاً جوهرياً في الموقف الأمريكي والإسرائيلي؛ تحولاً يمثل إنقلاباً كاملاً على روح الإتفاق المعلن،

لقد سُوق للرأي العام العالمي أن الإطار العام لعمل مجلس السلام يهدف إلى تثبيت التهدئة، وفتح الطريق أمام إنسحاب القوات الإسرائيلية، وشروع القطاع في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار،

غير أن الواقع الميداني والدبلوماسي سار في إتجاه مناقض تماماً، خرجت التصريحات الأمريكية والإسرائيلية المتطابقة لترهن أي إنسحاب إسرائيلي بـ التدمير الشامل والنزع الفوري والكامل لسلاح المقاومة.

إن ربط الإنسحاب الميداني بشرط تعجيزي يُسقط بالضرورة أي جدول زمني للإنسحاب، ويجعل من الوجود العسكري الإسرائيلي في غزة حالة دائمة ومشرعنة دولياً تحت مظلة مجلس السلام.

إن هذا التراجع الحاد ليس مجرد تفصيل إجرائي، بل هو إعادة تعريف شاملة لطبيعة الصراع؛ إذ يتم تجريد الطرف الفلسطيني من أي قوة ردع أو أداة للدفاع عن النفس، بينما تُمنح القوة المحتلة الغطاء الكامل للبقاء، والسيطرة ، وإستباحة الأراضي متى شاءت.

 

 

 

حين نتأمل المفهوم الذي يقدمه مجلس السلام تحت رعاية واشنطن، نجد أننا أمام إستعارة لفظية تُغلف بها حقائق البطش،إن السلام في العرف السياسي والدولي الشريف يعني رفع الظلم، وإقرار حقوق الشعوب في تقرير مصيرها، وإعادة الأرض لأصحابها، أما السلام بمفهوم ترامب ونتنياهو فهو إعادة ترتيب لمنطقة الشرق الأوسط بناءً على المنطق التالي:

إدارة الملفات الكبرى بعقلية الشركة؛ حيث تتضاءل حقوق الشعوب التاريخية والإنسانية لتتحول إلى مجرد بنود في جدول أعمال مالي أو ترتيبات أمنية لحماية المحتل.

إرغام الضحية على قبول شروط القاتل، وإعتبار أي محاولة للمقاومة أو التمسك بالسلاح جريمة تُحرم صاحبها من أبسط حقوقه في الحياة والإعمار.

إن أسلوب إدارة الأزمات بإنشاء هياكل موازية مثل مجلس السلام يهدف بالأساس إلى الإلتفاف على القرارات الأممية وتفريغ الشرعية الدولية من مضمونها، ليصبح القرار النهائي حبيس الإرادة الأمريكية والإسرائيلية.

أن هذا السلام ليس إلا غطاءً لفرض واقع جيو-سياسي جديد ،واقع يُبقي على الإحتلال، ويرسخ تقسيم القطاع، ويحول أهله إلى مجرد مجتمعات تتلقى المساعدات المشروطة بالخضوع السياسي التام.

وبينما تُعقد المؤتمرات وتُصاغ البيانات المعقدة في الغرف المغلقة بواشنطن وتل أبيب، كانت أرض غزة الصابرة تشهد مشاهد تجعل التاريخ يتوقف ذهولاً وألماً،

شيعت غزة 112 جثة تم إنتشالها من تحت أنقاض منازل حي الصبرة؛ جثامين كانت تحت الركام منذ نوفمبر 2023

بين هؤلاء الشهداء أطفال لم يكتمل حلمهم، ونساء قضين شهوراً طويلة تحت طيات الخرسانة، وأشخاص من ذوي الإعاقة لم يسعفهم الجسد للفرار من حمم الطائرات، إنها أكبر جنازة جماعية تشهدها أرض فلسطين الطيبة في هذا الفصل من المأساة.

في الوقت الذي تُمْنَع فيه المعدات الثقيلة والآلات المتخصصة من الدخول لإنقاذ من يمكن إنقاذه أو إستخراج الرفات إحتراماً لكرامة الإنسان، يحفر الأهالي وأفراد الدفاع المدني بأيديهم ،واللحم بين الكتل الخرسانية لإستخراج أبنائهم.

هذا الموقف التراجيدي يضع الشعار الأمريكي والحديث الغربي عن السلام أمام مرآة الحقيقة العارية ، كيف يمكن الحديث عن ميثاق سلام ومجلس أممي جديد في وقت يُترك فيه آلاف الشهداء والمفقودين تحت الأنقاض، ويُمنع عن أحياء غزة الإغاثة والمأوى حتى يرضى المحتل عن معادلات التجريد والتسليم؟

إن الأسئلة التي تفرض نفسها اليوم على الشارع العربي والإنساني تتجاوز حدود اللياقة الدبلوماسية،

أين الضمير الإنساني؟ أين القيم التي نادت بها الحضارة الحديثة، وصيغت من أجلها الإعلانات العالمية لحقوق الإنسان؟

أين حقوق الشعوب في الحياة والسيادة؟ كيف يمكن لمنظومة دولية يدعي أقطابها الدفاع عن الحرية والعدالة أن تشاهد إبادة شعب كامل، ثم تطالب الضحية بتقديم صك الإستسلام لمن دمر بيتها وقتل أطفالها؟

إن السياسة حين تتجرد من الأخلاق تتحول إلى غابة، والسياسيون حين يتعاملون مع دماء الشهداء كأرقام في مفاوضات جانبية يفقدون أي مشروعية أخلاقية ، إن ما يحدث ليس خطأً إجرائياً، بل هو سقوط أخلاقي كامل لمنظومة الغرب التي طالما طالبت العالم بالإلتزام بالمبادئ والقوانين الدولية، ثم نكثت بعهودها حين تعلق الأمر بالحق الفلسطيني المشروع.

 

 

 

إن الأمم لا تُقهر بالصفقات المشبوهة، والتاريخ لا يُكتب برغبات

الطغاة ، إن الشروط التعجيزية التي يقدمها ترامب ونتنياهو لن تصنع إستقراراً، ولن تمنح إسرائيل الأمن الذي تبحث عنه عبر الدبابات والتدمير،

إن الإستقرار الحقيقي ينبع فقط من الإعتراف بالحقوق الكاملة غير المنقوصة للشعب الفلسطيني، وعلى رأسها حقه في أرضه، وفي مقاومتهم لكل أشكال الإحتلال، وفي عيش كريم على ترابه الوطني.

إن غزة، وهي تُشيع أطفالها ونساءها، وتلملم جراحها من تحت الركام، تثبت كل يوم أنها أكبر من كل المجالس والدسائس ، إن الدم يرفض الخضوع، والأنقاض التي شهدت أعتى أشكال القهر ستظل شاهدة على أن هذا الشعب لن يقبل سلام العبيد ولا أوهام المكاتب المكيّفة.

سيبقى الصوت الفلسطيني هادراً في وجه مجلس السلام، إن حق الحياة، وحق الكرامة، وحق الدفاع عن الأرض، ليست مكرمة يُجود بها رئيس أمريكي أو رئيس وزراء إسرائيلي، بل هي حقوق معمدة بالدماء والصبر والإيمان الراسخ بأن الأرض تعرف أصحابها الحقيقيين، وأن الظلم، مهما أمتلك من قوة البطش، إلى زوال.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

بين صمت العالم وفجيعة الركام ... غزة تُشيع أبناءها وتكشف زيف الصفقات

بقلم ياسر بركات