خريطة الصراع بين الخنق الأمريكي ومواجهات التكتلات... إيران والصين في مواجهة الـ 40 تريليون دولار
إن ما يجري في واشنطن وطهران وبكين، وما تتردد صداه في أوتاوا وعواصم القرار الأوربي، يفرض علينا أن نطرح السؤال الجوهري الذي طالما طرحناه في لحظات التحول الكبرى: إلى أين تتجه بوصلة القوة في العالم؟ وكيف تحول الإقتصاد من أداة للتنمية وتبادل المصالح إلى مقصلة سياسية تُرفع في وجه كل من يحاول الخروج عن مقتضيات السيادة الدولية كما تراها الإدارة الأمريكية؟
إن واشنطن، وهي تمارس ما تسميه بـ خيار الخنق الإقتصادي الشامل وتعلن عبر خزانتها حرباً إقتصادية سريعة ومستعرة ضد طهران، لا تتصرف في واقع الأمر من موقع القوة المطلقة المتجددة، بل إنها تسعى لتوظيف السلاح الأخير المتبقي في جعبتها : سطوة الدولار وهيمنة النظام المالي العالمي الذي شُيّد عقب الحرب العالمية الثانية .
غير أن هذا السلاح ، بات يصطدم بحقائق جيو-سياسية معقدة ومستجدة،
حيث أدى الفرض المتكرر للعقوبات إلى تطوير شبكات تجارية ومالية موازية بعيدة عن هيمنة النظم الغربية،
كما إتسع نطاق إستخدام العملات المحلية في التجارة بين القوى الإقليمية والكبرى، مما يضعف قوة المقاطعة الأمريكية،
بل الأدهى أن هناك خشية حقيقية داخل أروقة القرار في واشنطن من أن الإندفاع المفرط في إستخدام العقوبات كعصا غليظة يؤدي بالضرورة إلى تسريع إنهاء قدرة الدولار على فرض الإرادة السياسية.
في المقابل، يخرج وزير الإقتصاد الإيراني ليؤكد أن بلاده حزمت أمرها ووضعت خطة إستراتيجية شاملة لمواجهة هذه الحرب الإقتصادية، مشدداً على أن طهران كانت تتوقع هذه الإجراءات وأعدت العدة لإفشالها من خلال تنويع مسارات التجارة وتعزيز الإنتاج المحلي.
إيران ليست مجرد نقطة في جدول أعمال واشنطن، بل هي عقدة جغرافية وسياسية تعودت على التعايش مع الضغوط والمقاطعة لعقود طويلة، مما أكسب مؤسساتها مرونة عالية في التكيف،
وشكّلت طهران عبر السنوات الماضية شبكات معقدة مما يسمى بـ إقتصاد المقاومة، المعتمد على خيارات ومنافذ التجارة مع الشرق وإستغلال الممرات البرية والبحرية الإقليمية.
كما تراهن إيران على موقعها في قلب خطوط الطاقة والملاحة بالشرق الأوسط وآسيا الوسطى، مما يجعل رهانات واشنطن على كسر الإرادة السياسية بالضغط المالي وحده رهانًا محفوفاً بالشكوك ومفتوحاً على إحتمالات الفشل،
وليس أدل على تراجع فاعلية الهيمنة أحادية الجانب من الموقف الصيني المتصلب؛ فبكين لم تكتفِ بالتحفظ الدبلوماسي التقليدي، بل أعلنت بصريح العبارة رفضا قاطعاً لهذه الحرب الإقتصادية والعقوبات أحادية الجانب، مؤكدة رفضها التام لأي مساس بمصالحها التجارية مع طهران أو بشرعية تدفقات الطاقة التي تعتمد عليها الشراكات الإستراتيجية في آسيا.
إن الصين ترى في هذه الحرب الإقتصادية الأمريكية محاولة لمواجهة تمددها القاري في الشرق الأوسط وآسيا، مما يحول الصراع من مجرد نزاع إقليمي بين واشنطن وطهران إلى صدام مكتوم ومباشر بين القوة المتراجعة في الغرب والقوة الصاعدة في الشرق.
وفي خطوة كاشفة لمستوى الإضطراب الذي أصاب النظام الدولي والتكتلات الغربية، لم تتوقف شظايا هذه الحرب الإقتصادية والسياسات الجمركية عند حدود الخصوم الأقوياء في الشرق، بل إمتدت لتطال أقرب الحلفاء التقليديين لواشنطن،
جاء إعلان كندا عن فرض رسوم إنتقامية ضد الولايات المتحدة ليشكل صدمة داخل المحيط الأطلسي، وهو حدث يحمل دلالات إستراتيجية عميقة.
يشير الرد الكندي إلى أن منطق المصلحة الإقتصادية الوطنية بات يعلو على التضامن السياسي والتحالفات التاريخية،
وترفض الدول الحليفة إستخدام واشنطن للرسوم والضغوط الإقتصادية كأداة لفرض سياساتها التجارية أو السياسية،
لقد أصبح الإقتصاد العالمي يعاني من حروب تجارية متعددة الأطراف، مما يضعف الجبهات الموحدة التي طالما إعتمدت عليها الإدارة الأمريكية لتمرير سياستها الدولية
غير أن المفارقة الكبرى والتي تشكل صلب هذا المعنى وأهم مكوناته تكمن في التوقيت السيادي والمالي لهذه المعركة؛ إذ تأتي هذه المواجهة الإقتصادية الشاملة في وقت يرتفع فيه الدين العام الأمريكي ليصل إلى حدود تاريخية غير مسبوقة تقترب من 40 تريليون دولار.
وكما تعلم القيادات في البنتاجون ووزارة الخزانة الأمريكية قبل غيرهم، فإن الإعتماد على سياسة العقوبات وطباعة النقد، فى محاولة لتركيع القوى الإقليمية وسط هذا العجز المالي التاريخي، يُشبه مَن يستعير وقوداً لمكافحة حريق في بيته،إن هذا الدين الضخم يحد من قدرة الإقتصاد الأمريكي على الإستمرار في خوض حروب إستنزاف طويلة الأمد، ويزيد من مخاطر فقدان الدولار لمكانته كعملة إحتياطية عالمية في حال إتجهت القوى الكبرى والإقليمية لتأسيس نظام مالي موازٍ.
إن المدى الذي يمكن أن تمضي فيه السياسة الأمريكية محكوم بتوازنات جديدة كلياً؛ فالتجارة الدولية لم تعد تمشي في طريق واحد، والدولار لم يعد الإله الوحيد في محراب التجارة العالمية،
نحن اليوم لا نشهد فقط محاولة أمريكية لإعادة صياغة التوازنات في الشرق الأوسط عبر بوابة العقوبات والإغلاق الإقتصادي، بل نسجل في صفحات التاريخ بدايات التحول نحو عالم متعدد الأقطاب، عالم لم تعد فيه القرارات تُكتب في واشنطن وحدها، ولا النتائج تُحسم بمجرد صدور بيان من وزارة الخزانة الأمريكية، بل تشارك في رسمه وإدارته القوى الصاعدة والجغرافيا العنيدة التي رفضت أن تستسلم للضغط والإملاء.