سـ ـلاح الخزانة الأمريكية وحسابات الشرق الأوسط... خريطة الصراع وإستراتيجيات الصمود

ياسر بركات
ياسر بركات

أطلقت الولايات المتحدة ما يمكن تسميته بالحملة الإقتصادية الأشرس في التاريخ الحديث، ساطيةً على المفهوم الكلاسيكي للحرب، ومستبدلةً القواعد الجوية والفرق المدرعة بخنق الشرايين المالية، وإستعادة سياسة الضغط الأقصى في محاولة لتقويض مرتكزات الدولة الإيرانية ، غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل أفلحت هذه الحرب الإقتصادية في تحقيق غاياتها النهائية، أم أنها تحولت لأداة لضغط الإقليم بأكمله وأنها تعيد رسم الخريطة الجيوسياسية للعالم؟


المنطق الذي تبنته الإدارة الأمريكية، يقوم على إفتراض بليغ البساطة وشديد التعقيد في آنٍ واحد: وهو تجفيف منابع الرزق لتجفيف منابع القوة ، لم تعد واشنطن تكتفي بمنع شراء النفط الإيراني، بل ذهبت إلى تتبع حركة السفن عبر الأقمار الصناعية، وفرض عقوبات ثانوية على أي مؤسسة بنكية أو شركة شحن تتعامل مع طهران، وإستهداف الشبكات المالية التي تُدار بعناية في دبي وشرق آسيا.
طهران تعاني بالفعل من ضغط هيكلي غير مسبوق، التضخم المالي ينهك الطبقة الوسطى الإيرانية، والعملة المحلية تتهاوى أمام الدولار، والقدرة على الإستثمار في البنية التحتية لحقول النفط والغاز تراجعت إلى حدودها الأدنى ، ومن هنا، تراود المخطط الإستراتيجي الغربي أوهام سقوط القلعة من الداخل تحت وطأة الضغط المعيشي والشعبي.
لكن الحرب الإقتصادية ليست عملية جراحية بالليزر تجرى داخل حدود دولة واحدة؛ إنها إنفجار في غرفة مغلقة يمتد أثره إلى كل من يحضر في المنطقة العربية، وتحديداً دول الخليج العربي، تجد نفسها في قلب هذا الإعصار الهادئ.
فأي تضييق على صادرات إيران النفطية يتبعه بالضرورة رفع لدرجة المخاطرة في الممرات المائية الحاكمة، وعلى رأسها مضيق هرمز ومضيق باب المندب وهو ما يعنى أن أمن الناقلات وبنى الطاقة التحتية في الخليج أصبح مرتبطاً بحالة السعر النهائي للنفط والتوتر الجيوسياسي،وهذا مايسبب  زيادات باهظة في تكاليف التأمين البحري.
لقد شكلت مراكز التجارة في الخليج لسنوات منفذاً حيوياً لتوفير السلع للأسواق الإيرانية ، اليوم، مع تدقيق وزارة الخزانة الأمريكية وتغليظ العقوبات المالية الثانوية، أصبحت هذه الأسواق بين نارين: الحفاظ على علاقاتها الإستراتيجية والإقتصادية مع واشنطن، أو تجنب خسران سوق إستهلاكي ضخم في الجوار الإيراني.
كذلك تدرك الأجهزة الأمنية في الإقليم أن الضغط المالي الزائد على طهران قد يدفعها ليس للترجل والإستسلام، بل إلى التفتيش عن خيارات حافة الهاوية، وإستخدام حلفائها الإقليميين لإرباك الحسابات الأمنية للمنطقة، بما يجعل كلفة الإستقرار عالية على الجميع.
الحقيقة أن العالم لم يعد أحادي القطب، وأن سلاح العقوبات الغربي يفقد فاعليته القصوى عندما يواجه بكتل دولية موازية،
تشتري الصين النصيب الأكبر من النفط الإيراني عبر ما يُعرف بـ أسطول الظل، مستخدمةً آليات دفع باليوان ومؤسسات مالية صغيرة غير مرتبطة بنظام سويفت والدولار، هذا الشريان التجاري، الممتد بموجب إتفاقية الشراكة الإستراتيجية لمدة 25 عاماً بين طهران وبكين، يوفر للداخل الإيراني سيولة تضمن إستمرار الحد الأدنى من إدارة الدولة والتنمية.
كما فرضت الحرب في أوكرانيا تقارباً إستراتيجياً ونوعياً بين موسكو وطهران ، روسيا، المحاصرة هي الأخرى بعقوبات غريبة، وجدت في إيران شريكاً لتطوير ممر شمال - جنوب للتجارة، ومجالاً لربط المنظومات البنكية الموازية ، ، هذا التعاون لا يمنح طهران أماناً إقتصادياً كاملاً ولكنه يوفر لها شبكة إنقاذ تمنع الإنهيار. 
العقوبات تسبب أذىً بالغاً، وتعرقل طموحات النمو الشامل في إيران، وتُحدث غلياناً إجتماعياً مكتوماً ، ولكنها في الوقت ذاته غير قادرة بمفردها على إسقاط النظام السياسي أو إرغامه على التخلي عن أوراق قوته الإستراتيجية، سواء المتعلقة بالبرنامج النووي أو بالنفوذ الإقليمي.
لقد طوّرت طهران على مدى أربعة عقود ما تسميه إقتصاد المقاومة، وهو نموذج يقوم على التكيف مع العزلة، وإحلال الواردات، والإعتماد على السلع المحلية، وإتقان فنون الإلتفاف على شبكات الرقابة المالية الدولية.
إن القراءة المتأنية لمسار هذه الحرب الإقتصادية توضح أن الطرفين يصعدان فوق جبل ينحدر طرفاه نحو مجهول خطير، واشنطن المترددة بين إستخدام خيارات القوة أو فرض القهر الإقتصادي تكشف عن حدود القوة الأمريكية في عالم يتشكل من جديد. وطهران، وإن كانت صامدة بفضل الدعم الأوراسي والتكيف الذاتي، إلا أنها تدفع ثمن هذا الصمود من مستقبل أجيالها ورفاهية مجتمعها.

أما المنطقة العربية برمتها، فهي تقف في منتصف هذه المساحة الجغرافية المشتعلة، تدرك أن الإستقرار الإقتصادي والتنموي في الخليج والشرق الأوسط لن يتحقق بشكل كامل وشامل إلا إذا وضعت الحرب أوزارها، وتم الوصول إلى توازنات إقليمية جديدة تعيد ترتيب الأوراق، بعيداً عن منطق الخنق المتبادل وسياسات تجويع الشعوب.
إن قلاع التاريخ لا تسقط فقط بالحصارالإقتصادي إذا كانت لها منافذ خلفية مفتوحة على قوى عظمى أخرى؛ وحين تتحول الحرب الإقتصادية إلى حالة دائمة، فإنها لا تكسر إرادة الخصم، بل تدفعه بالضرورة إلى إعادة بناء قواعد اللعبة بأكملها.

 

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

قصة الساعات التي حبست أنفاس العالم... دوافع الرحلة السرية لمدير المخابرات الأمريكية لموسكو

بقلم ياسر بركات