عندما تسقط الإنسانية في إمتحان القوة... عن أطفال تحت القصف وآخرين تحت الحصار

ياسر بركات
ياسر بركات

إن المنظومة الأخلاقية التي شُيدت عقب الحرب العالمية الثانية والتي تباهت بالحديث عن حقوق الإنسان، وحماية المدنيين، وحظر معاقبة الشعوب  قد دخلت مرحلة التآكل الهيكلي، لقد أصبحت المبادئ تُستدعى وتُوظف بحماس بالغ عندما تخدم أهداف القوى الكبرى، وتُطوى صفحاتها بالكامل عندما تصطدم بحلفاء إستراتيجيين أو بمصالح جيوسياسية عليا ، وفي مساحة الفراغ الأخلاقي هذه، يدفع الأطفال في إيران وفي فلسطين الثمن الأكثر قسوة ودموية،
عندما نلتفت إلى المشهد الإيراني نكتشف أبعادًا لمأساة إنسانية جرى هندستها تحت مسميات سياسية براقة مثل العقوبات الذكية أو سياسة الضغط الأقصى،
فالعقوبات الإقتصادية المشددة، التي فرضتها واشنطن وحلفاؤها، وإن كانت تدعي نظريًا إستثناء المواد الطبية والإنسانية، إلا أنها عمليًا وفي واقع الممارسة ، فرضت حصارًا مشددًا شلّ قدرة القطاع الصحي الإيراني على إستيراد الأدوية والمستلزمات الطبية الحيوية،
لقد وثّقت منظمات حقوقية سقوط ألاف الأطفال الإيرانيين ضحايا لهذا الخناق الإقتصادي الصامت ، نتيجة خوف الشركات الدولية من العقوبات الأمريكية الثانوية ، 
لكن :هل يجوز إنسانيًا وأخلاقيًا تحويل حق الطفل في العلاج والحياة إلى ورقة للمناورة السياسية أو أداة لإخضاع الدول؟ إن القتل هنا لا يتم عبر قنبلة تُسقطها طائرة، بل عبر قرار بيروقراطي يُوقع في واشنطن ليقطع شريان الحياة عن سرير طفل في طهران، وهو نمط من العدوان الصامت لا يقل قسوة عن القصف المباشر.
وعلى الجانب الآخر من المشهد ، تجسد المأساة الفلسطينية الذروة المؤلمة للتجاهل الدولي والإنكشاف الأخلاقي للنظام العالمي، ففي قطاع غزة والضفة الغربية، لا يحتاج المرء إلى الإستدلال بتقارير محليّة لتبيان حجم المأساة؛ إذ تكفي الإحصاءات والشهادات التي نشرتها المنظمات الأممية كـ اليونيسف والأونروا ومنظمة العفو الدولية .
لقد أظهرت التقارير الصادرة عن هذه الجهات أن العمليات العسكرية الإسرائيلية المتعاقبة والمكثفة قد أدت إلى معدلات غير مسبوقة في قتل الأطفال وإصابتهم ، لقد تحولت بيئات العيش الطبيعية للأطفال من مدارس ومستشفيات وملاجئ ترعاها الأمم المتحدة  إلى أهداف جرى دكّها بالأسلحة والغارات الجوية المتطورة، وغالبًا بدعم وتسليح مباشرين من الولايات المتحدة والقوى الغربية.
إن ما يجري في فلسطين ليس مجرد أضرار جانبية لعمليات عسكرية ، بل هو إستهداف ممنهج يطال بنية المجتمع ومستقبله المتمثل في أطفاله ، عندما تشير التقارير إلى مقتل آلاف الأطفال وآلاف آخرين تحت الأنقاض أو خضوعهم لعمليات جراحية بدون تخدير نتيجة الحصار الخانق، فإننا نكون أمام جريمة ضد الإنسانية مكتملة الأركان ، والأدهى من ذلك هو التغطية الدبلوماسية والغطاء السياسي الذي توفره واشنطن في مجلس الأمن الدولي عبر إستخدام حق النقض لمنع أي قرار يوقف إطلاق النار أو يحاسب المسؤولين عن هذه الجرائم.
أين يقع الضمير الإنساني والمجتمع الدولي من هذه اللوحة المشبَعة بالدم والدموع؟
إن المتأمل في المواقف السياسية الغربية يرى حالة جليّة من الشلل الأخلاقي وإزدواجية المعايير، تُستدعى القوانين الدولية وحقوق الإنسان والمواثيق الأممية بصوت عالٍ وبحماس منقطع النظير عندما يتعلق الأمر بأزمات في مناطق أخرى تخدم الأجندة الغربية، وتُقام الدنيا ولا تقعد دفاعًا عن مدنيين وأطفال في مواجهات مع خصوم الغرب ، ولكن، عندما ينقلب المشهد ويكون الضحية طفلاً إيرانيًا بسبب العقوبات الأمريكية، أو طفلاً فلسطينيًا بسلاح وضوء أخضر إسرائيلي-أمريكي، تتلاشى تلك النبرة الحازمة، وتستبدل بعبارات قلقة ومائعة تدعو إلى ضبط النفس أو تتحدث عن حق الدفاع عن النفس.
هذه الإزدواجية الفاضحة لم تعد خافية على الرأي العام العالمي، الصمت على هذه الجرائم لا يدمّر حياة أطفال الشرق الأوسط فحسب، بل يدمّر أيضًا ما تبقى من مصداقية للنظام الدولي وللمفاهيم الأخلاقية التي يدعي الغرب تمثيلها،
إن الأسئلة التي تراودنا هي: أي قيم إنسانية وأخلاقية يمكن أن تسود عالمًا يرى أطفاله يُقتلون بالصواريخ أو يموتون بالحصار ثم يقف متفرجًا؟ وإلى متى يمكن لسياسة القوة أن تحل محل القانون والعدالة؟ وإلى أين يسير هذا العالم؟.
الأنظمة الدولية التي تفقد سندها الأخلاقي وتعتمد كليًا على منطق الهيمنة والسلاح والقوة الغاشمة تتجه حتماَ نحو التآكل الذاتي ، إن الإستهانة بدماء الأطفال والإعتداء على المستقبل يزرع بذور غضب ومرارة لا يمكن محوها بالبيانات الدبلوماسية ولا بالحلول الترقيعية. 


إن العالم يسير اليوم على طريق ينذر بإنهيار المنظومة القانونية والأخلاقية العالمية، والعودة إلى شريعة الغاب، حيث القوة هي التي تحدد الحق، وحيث تُصاغ المبادئ وتُعدل على مقاس الأقوياء ، إن إستمرار هذا النهج ينزع الشرعية عن المؤسسات الدولية ويحولها إلى مجرد أجهزة معطلة ومنابر للخطابة الفارغة.


إن الخروج من هذا النفق المظلم لا يمكن أن يتحقق بالبيانات الخجولة أو بالدعوات الدبلوماسية الشكلية، بل يتطلب إعادة بناء حقيقية للمفاهيم الإنسانية على قاعدة العدالة المطلقة وغير المشروطة ، إن حياة الطفل سواء كان إيرانيًا، أم فلسطينيًا، أم من أي جنسية أو دين أو عرق  هي ملك لحقه في الحياة وليست ملكًا لمعادلات السياسة ولا لمصالح الدول الكبرى.
إن أزمة العالم اليوم ليست أزمة موارد ولا أزمة تكنولوجيا، بل هي بالأساس أزمة ضمير وعدالة ، وإذا لم تتداعى القوى العاقلة في المجتمع الدولي وفعاليات المجتمع المدني العالمي لوقف هذه التراجيديا والمطالبة بالمساءلة والمحاسبة، فإن هذا العالم الظالم سيمضي قدماً نحو صراعات أكثر دموية، وسيدفع الجميع ثمن هذا الصمت الأخلاقي المريب.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

عندما تسقط الإنسانية في إمتحان القوة... عن أطفال تحت القصف وآخرين تحت الحصار

بقلم ياسر بركات