عندما تُسلَّم الخرائط وتُنتهك العقيدة... بيروت بين إملاءات تل أبيب وتجريد المقاومة
إن التقارير المتواترة عن قيام السلطات الرسمية في لبنان بتسليم الكيان الصهيوني خرائط وإحداثيات دقيقة لصور ومواقع سرية ومقابر، يُحتمل وجود رفات أو أدلة لجنود صهاينة فيها، لا يمكن قراءتها إلا كزلزال يضرب أساس المفهوم الوطني ، إن هذا السلوك السياسي يُشكل، في جوهره وطبيعته الإستراتيجية، تنازلاً مجانياً يمس صلب السيادة الوطنية اللبنانية، ويضع علامات أستفهام كبرى حول منطق إدارة أزمات الأمن القومي في بيروت.
إن الحديث عن تسليم خرائط لمواقع أرضية داخل الحدود الوطنية لعدو تاريخي يمارس الإحتلال والعدوان اليومي، لا يتوقف عند حدود اللفتة الإنسانية كما يحلو للبعض أن يغلفها بها، الخريطة هي الشفرة الأولى والأخيرة لسيادة أية دولة ،حين تقدم دولة ما إحداثيات ومخططات لجغرافيتها السرية إلى جهاز أمني أو عسكري خصم، فإنها تمنحه بالضرورة شرعية الحركة الإستكشافية والتحرك الميداني فوق أراضيها.
هذا القرار يعطي الصـ ـهاينة حرية البحث والإستطلاع الميداني، تحت مظلة التفتيش عن رفات الجنود ، ومن يمتلك حق البحث عن الرفات في أرض غيره، يُعطى تلقائياً الضوء الأخضر لإستكشاف البنية التحتية المقاومة، ورصد نقاط المراقبة، وخرائط الأنفاق، وتحركات رجال حزب الله وتجهيزاتهم العسكرية واللوجستية ، إنك هنا لا تفتح جغرافيتك للمفتشين فحسب، بل تقدم جهازك العصبي والمسرح العملياتي لجيش الإحتلال على طبق من ذهب، ليقوم بعمليات مسح إستخباري وتحديث للمعلومات العسكرية إستعداداً لأي جولة قتال قادمة.
إن الدولة الوطنية في ذروة مجدها وقوتها هي التي تدرك قيمة أوراق الضغط والتفاوض ، إن رفات جنود العدو، في كافة التجارب التاريخية للصراعات المسلحة بدءاً من حرب فيتنام وصولاً إلى الحروب العربية – الإسرائيلية كانت دائماً ورقة تفاوض إستراتيجية سياسية وإنسانية ضاغطة تُستخدم لإطلاق سراح الأسرى، وكشف الحقائق.
أما أن تبادر السلطة الرسمية لتسليم هذه الخرائط والمعلومات مجاناً وبلا مقابل يذكر، فإن ذلك يعد تراجعاً أخلاقياً وسياسياً يقلل من قدر الدولة ورصيدها التفاوضي، السلطة في بيروت، بهذا التصرف، توحي للعالم بأسره ولدوائر القرار العسكري في تل أبيب وواشنطن، بأنها لا ترتقي حتى لمستوى الإحتفاظ بأوراق القوة أو الإحتفاظ برفات جنود العدو كأداة ضغط لحماية أبنائها وأسراها في سجون الإحتلال ، إنها إستكانة مجانية تجعل الدولة تبدو وكأنها تؤدي وظيفة المقاول الأمني لحساب العدو بدلاً من أن تكون الحصن الحصين لشعبها.
غير أن الفاجعة الإستراتيجية الكبرى والذروة التي تحبس الأنفاس في هذا المشهد المؤلم، تمثلت فى قيام أجهزة السلطة اللبنانية بتسليم الكيان الصهيوني خرائط إضافية لأماكن ومواقع يُحتمل تواجد جنود حزب الله وسلاحهم فيها.
إن تقديم معلومات وخرائط عن مواقع أبناء الوطن المقاومين للعدو الصـ ـهيوني يعني، أن السلطة الرسمية تمنح الكيان الصهيوني حق الضربة الإستباقية، وتؤكد عملياً على حق الصهاينة في إمتلاك أعتى أنواع السلاح، بل وتوفر لهم الذرائع والمعلومات لإستخدام هذا السلاح الفتاك وضرب أبناء الشعب اللبناني بة .
وفي الوقت الذي تُسهّل فيه السلطة للعدو إستهداف مقدرات المقاومين، نجدها تتصدر المشهد السياسي الداخلي لتطالب حزب الله بتسليم سلاحه، والتخلي عن عناصر قوته، بدعوى حصر السلاح بيد الدولة.
أي منطق هذا؟ وأي عار سياسي وتاريخي ترتكبه سلطة تتساهل مع سلاح العدو الموجه لصدور أبنائها، بينما تشتد وتتحمس لتجريد أبناء وطنها من أسباب القوة والصمود أمام آلة حرب لا ترحم؟ إنها مفارقة تبين حجم التخبط الذي تعيشه الطبقة السياسية، والتي بدلاً من أن تستند إلى مكامن القوة الوطنية، أصبحت تتماهى مع الإملاءات الخارجية وتخدم المخططات الإسرائيلية بالوعي أو بدونه.
هذه التحركات لا تقرأ على إنها مجرد تعاون إداري أو تفاصيل أمنية صغيرة، بل تقرأ في إطار عملية إعادة هيكلة شاملة للشرق الأوسط ، لقد نجحت الضغوط الغربية والصهيونية في تفكيك عناصر القوة العربية وتجريد الجبهة اللبنانية من مناعتها الإستراتيجية.
فما يحدث هو عملية كشف غطاء ممنهجة للمقاومة اللبنانية ، فالكيان الصهيوني، الذي فشل ميدانياً في أوقات كثيرة في فرض إرادته الكاملة عبر المواجهة المباشرة، يستعين اليوم بمعلومات مجانية توفرها له السلطة الرسمية لتسهيل مهمته في إصطياد رجال المقاومة وتفكيك بنيتهم التحتيّة وتجريدهم من أسلحتهم وتجهيزاتهم.
التاريخ لا يرحم الذين يفرطون في خرائط أراضيهم أو يسلمون رقاب أبنائهم لأعدائهم ، إن اللحظة الحالية تتطلب وقفة مراجعة صريحة وشجاعة من كل القوى الحية في لبنان والأمة العربية.
فحين تتحول أجهزة الدولة من حامي لتراب الوطن ومدافع عن شعبها إلى مرشد إستخباري يوفر للعدو خرائط وأهدافاً للتدمير، تكون الدولة قد قطعت الخيط الرفيع الذي يفصل بين الممارسة السياسية والخيانة .
التاريخ سيسجل في صفحاته السوداء هذه المرحلة، وسيذكر أن سلطة رسمية أضاعت بوصلتها الوطنية، وسلمت خرائط أسرارها لمن يستهدف وجودها، ووقفت تطالب الضحية بتسليم سلاحها، بينما تمنح الجلاد الخرائط والتصاريح والغطاء لقتل الضحية ، إنها مأساة وطن يُستباح من الخارج برعاية وتسهيل من الداخل، ولا حول ولا قوة إلا بالله.