من بلفور إلى العقوبات ... حين تُرفع المظلة التاريخية عن مشروع الإستيطان

ياسر بركات
ياسر بركات

إن البلد الذي أصدر وعد بلفور عام 1917، وهو الوثيقة التي منحت المشروع الصهيوني شرعيته الدولية الأولى وفتحت الباب أمام قيام دولة إسرائيل، يجد نفسه اليوم في صدام مباشر وصريح مع هذا الكيان المغتصب ، نحن أمام لحظة تاريخية فارقة، تُوجه فيها الحكومة البريطانية إتهاماً مباشر لإسرائيل بإرتكاب جريمة تطهير عرقي في الضفة الغربية، وتتبع ذلك بإجراءات عملية تتجاوز مجرد البيانات الدبلوماسية المستهلكة، لتصل إلى فرض عقوبات إقتصادية وسياسية صارمة ضد المستوطنات وقياداتها.


لم يكن هذا التحول البريطاني نتاج عاطفة طارئة أو تغير في المزاج السياسي العابر، بل جاء مستنداً إلى تقاريرحيث أصبحت الأرقام والمشاهد القادمة من الأرض أسرع وأقسى من أن يتم التغطية عليها بأساليب الخداع الإعلامي التقليدية،
تشير التقارير إلى سقوط أكثر من سبعين ألف ضحية في غزة، بينهم أكثر من عشرين ألف طفل، في مأساة إنسانية غير مسبوقة في التاريخ الحديث ، هذه الأرقام، التي جرى تدقيقها عبر أجهزة رصد عالمية، لم تعد مجرد إحصائيات صماء، بل تحولت إلى عبء أخلاقي وسياسي لا تطيق عواصم الغرب تحمله، خاصة عندما يرتبط بتوسع إستيطاني ممنهج في الضفة الغربية يسعى لتغيير الديموغرافيا والجغرافيا بالقوة.
إن السلوك الإسرائيلي لم يعد يهدد الإستقرار في الشرق الأوسط فحسب، بل أصبح يشكل تهديداً مباشراً للمصالح الإستراتيجية للغرب، ويهدم القواعد الأساسية للنظام الدولي الذي شاركت بريطانيا وأمريكا في تأسيسه عقب الحرب العالمية الثانية.
إن الأهمية الحقيقية لهذا القرار البريطاني لا تكمن فقط في نص البيان، بل في السياق الدولي الذي يتنزل فيه ، نحن نرى اليوم نشوء جبهة دولية تتسع تدريجياً لتكسر الهيمنة التقليدية للإرادة الأمريكية-الإسرائيلية ، فحين تقرر 12 دولة حول العالم حظر التعاون الإقتصادي والأكاديمي والأمني مع المستوطنات الإسرائيلية، وتعتبرها كيانات غير شرعية خارجة عن القانون الدولي، فإننا نكون أمام بداية عزلة إستراتيجية حقيقية للسياسات الإسرائيلية.
هذا الموقف المشترك يمثل تمثيلاً صارخاً لخروج هذه الدول عن بيت الطاعة الأمريكي ، فلأول مرة منذ عقود، تجد واشنطن نفسها عاجزة عن توفير الحماية الدبلوماسية المطلقة لتل أبيب، وتجد حلفاءها التقليديين في أوروبا يرفضون الإنقياد خلف الرؤية الأمريكية التي حاولت طويلاً القفز على حقوق الشعب الفلسطيني والتغاضي عن إنتهاكات الإستيطان.
كما تكشف عن حجم الفجوة المتزايدة بين الأجهزة الأمنية في الغرب وبين القيادة السياسية في إسرائيل ، لقد أدرك العقل الإستراتيجي الغربي أن دعم سياسات الضم والتطهير العرقي لم يعد خياراً يمكن الدفاع عنه أمام الشارع الغربي، الذي بدأ يتحرك بغضب لم يسبق له مثيل في تاريخ القضية الفلسطينية.
إذا عدنا إلى الوثائق التاريخية لوزارة الخارجية البريطانية في أربعينيات القرن الماضي، نجد أن الإمبراطورية التي كانت لا تغيب عنها الشمس هي التي رسمت حدود الشرق الأوسط ووضعت بذور هذا الصراع ، واليوم، عندما يخرج القرار من ذات المبنى التاريخي في لندن ليصف أفعال إسرائيل بـ التطهير العرقي، فإن هذا يعني أن السحر قد أنفلب على الساحر، وأن الكيان الذي غُرست جذوره بدعم بريطاني وأمريكي قد تجاوز الحدود التي يمكن للمنظومة الغربية قبولها.
إن إسرائيل تعتمد إستراتيجياً على أركان ثلاثة: الردع العسكري، والدعم الأمريكي المطلق، والشرعية الغربية ، وما نراه اليوم هو إهتزاز مباشر للركنين الثاني والثالث. فحين تفرض بريطانيا عقوبات، وتتبعها دول أوروبية أخرى، وتتراجع قدرة واشنطن على فرض إرادتها على حلفائها، فإن إسرائيل تفقد غطاءً دولياً طالما إعتمدت عليه لإفلاتها من العقاب.
لكن قد يتساءل البعض: هل يمثل هذا الموقف البريطاني والدولي بداية النهاية للمشروع الإستيطاني في الضفة؟
الجواب يقتضي منا ألا نغرق في التفاؤل المفرط، وفي الوقت نفسه ألا نهون من قيمة التحول ، إن السياسة الدولية لا تُدار بالصحوة الأخلاقية المجردة، بل بموازين القوى والمصالح ، ما حدث هو أن كلفة الإنحياز الكلي لإسرائيل أصبحت أعلى بكثير من عائداته بالنسبة للدول الغربية ، حيث تم رصد غلياناً إقليمياً، وتآكلاً في النفوذ الغربي أمام القوى الدولية الصاعدة، وضغطاً شعبياً داخلياً هائلاً.
إن قرار بريطانيا والدول الإثنتي عشرة ليس نهاية المطاف، ولكنه بداية لمرحلة جديدة في تاريخ الصراع ، إنها لحظة إنكشاف إستراتيجي لسياسة القوة المفرطة، ودليل على أن الحقائق التاريخية والجغرافية لا يمكن محوها بالدبابات أو بقرارات الضم.
إن التاريخ يخبرنا دائماً أن التحولات الكبرى تبدأ بتصدعات صغيرة في جدار التوافقات القديمة ، وما شهدناه في لندن اليوم هو تصدع في أعمق أركان الجدار الذي حما مشروع الإستيطان لعقود ، ويبقى السؤال المطروح على جدول أعمال المستقبل: هل تسفر هذه الخطوة عن إعادة تشكيل حقيقية للنظام الإقليمي، أم ستكون مجرد محاولة من الغرب لتبرئة ذمته التاريخية أمام مأساة إنسانية وسياسية تجاوزت كل الحدود؟ الأيام وحدها، وتطورات الميدان، هي من ستكشف لنا طبيعة الصفحة القادمة من كتاب الشرق الأوسط.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

من بلفور إلى العقوبات ... حين تُرفع المظلة التاريخية عن مشروع الإستيطان

بقلم ياسر بركات