مزاد في البيت الأبيض.. عندما يباع العرش الأمريكي بشيكات بدون رصيد

ياسر بركات
ياسر بركات

ليس أشد خطورة على الأمم الكبيرة من لحظة غياب العقل السياسي وإختفاء رؤية الدولة لحساب غرائز البقاء شخصياً في السلطة ؛ فتلك هي اللحظة الفاصلة التي تتحول فيها الإمبراطوريات إلى أكليشيهات مجوفة.
من هنا، ونحن  نطالع ما صدر مؤخراً عن البيت الأبيض وعبر منصات الخِطاب السياسي في واشنطن، لا نملك إلا أن نستحضر روح القارئ لتاريخ الصعود الهائل والتراجع المأساوي للدول ، لقد خرج علينا الرئيس دونالد ترامب في خطاب ماراثوني تجاور المائة دقيقة، ليقدم للعالم ما أسماه كشف حساب النجاح الإقتصادي العظيم والنصر المظفر على إيران ، غير أن ما أستوقَف الجميع فى أنحاء العالم ليس المبالغات الفجة التي إعتادها الخطاب السياسي اليميني، بل تلك الأطروحة الشاردة التي رمى بها في وجوه الناخبين: الوعد بتقديم شيك بقيمة 5000 دولار لكل مواطن بالغ بشرط واحد وأكيد: أن يضمنوا له ولحزبه البقاء والسيطرة على الكونجرس.

إنه المشهد الذي يوصف في أدبيات القانون والتاريخ السياسي بأنه أقرب إلى عملية رشوة إنتخابية صريحة تتغطى برداء الحصيلة الجمركية، وهو ما أستقبل بدهشة ممزوجة بالمرارة؛ فكيف آل الأمر بالجمهورية الأمريكية إلى هذا المستوى غير المسبوق؟.
إن النظر في أرقام هذه الرشوة المكشوفة يكشف حجم الخلل المؤسسي والهاوية الإقتصاديّة التي تنزلق إليها واشنطن، ترامب أدّعى أن هذه الأموال ستُصرف من حصيلة التعريفات الجمركية الضخمة التي جباها من دول العالم ، لكن القراءة البسيطة في حسابات خزانة الدولة تُظهر أن توزيع 5000 دولار على نحو 270 مليون مواطن بالغ يستلزم كلفة إجمالية تبلغ قرابة 1.35 تريليون دولار.
وهنا يتبدى الإنفصال الكامل عن الواقع ،
فإجمالي الإيرادات الجمركية التي جمعتها الإدارة الأمريكية طوال السنوات الماضية لا يعادل إلا كسراً ضئيلاً جداً من هذا الرقم الخيالي، ناهيك عن أن القرارات القضائية الأخيرة للمحكمة العليا الأمريكية قد أبطلت وأسقطت الجزء الأكبر من تشريعات تلك التعريفات.
كما تأتي هذه العطايا الإنتخابية في وقت يتجاوز فيه الدين القومي الأمريكي حاجز الـ 40 تريليون دولار، وتسجل فيه الميزانية عجزاً سنوياً يقترب من تريليوني دولار.
أن يعد حاكم بتوزيع أرباح في حين أن الخزانة غارقة فى  إستدانة لا تتوقف، هو نهج لا يمت بعلم الإقتصاد بصلة، بل يرقى لكونه عملية إحتيال مالية وسياسية موجهة لجمهور منهك من التضخم.
ولم تكن الأزمة في الشق الإقتصادي وحده، بل إمتدت لتشمل التغليف الإمبراطوري للخارجية الأمريكية ، ففي الخطاب ذاته، يستعرض ترامب هزيمة إيران وتدمير قدراتها، بأسلوب يسترضي المشاعر دون الإستناد للواقع الإستراتيجي.
بخلاف أن الرأي العام الأمريكي يُعرب عن رفض عارم للتورط في صراعات مفتوحة في الشرق الأوسط ، وفي الوقت الذي يتحدث فيه البيت الأبيض عن إنتصارات ناجزة، تشير التقديرات العسكرية إلى كلفة بشرية ومالية إستُنزفت فيها قطاعات واسعة من القوات والعتاد الأمريكي، دون الوصول إلى حسم إستراتيجي يحقق الإستقرار المطلق، بل تركت الإستراتيجية الأمريكية إنطباعاً دولياً بـ المغامرة غير محسوبة العواقب.
لقد كانت قوة أمريكا التاريخية تتأسس على مرجعيتين: دولة المؤسسات والقانون والنموذج الجاذب الذي يقنع العالم بقيم الحرية والإستقرار ، لكن التحول الجاري اليوم يقود واشنطن نحو ممارسات كانت تُعاب في السابق على ما يُسمى بدول العالم الثالث.

حين يُصبح شراء الأصوات لغة علنية يُبشر بها من فوق منصات الخطاب الرسمي، وحين تُدار السياسة المالية والتجارية وفق الرغبات الشخصية والتغريدات الفجائية، تتهاوى الصورة الذهنية للقوة العظمى ، 
ويبقى السؤال الأهم: هل يملك الشعب الأمريكي القدرة على إنقاذ البلاد من هذا المسار؟.
إن التاريخ يخبرنا أن الشعوب الحرة حين تُوضع أمام إختبار الخيار بين الوعود الزائفة وبقاء الدولة وسيادة القانون، فإنها تمتلك قدرة على التعديل الذاتي تصحيحاً للمسار ، فالإنتخابات المقبلة لن تكون مجرد معركة بين حزبين، بل ستكون إستفتاءً تاريخياً على هوية أمريكا: هل تظل جمهورية مؤسسات وقانون، أم تتكرس كـ سلطة إستبدادية قائمة على الصفقات والمزايدات المالية؟.
إن الكلمة الأخيرة لم تُكتب بعد، لكن المؤكد أن أمريكا تقف اليوم عند أخطر مفترق طرق في تاريخها الحديث؛ إما إعادة الإعتبار للقيم الكبرى والدستور، أو الإستمرار في الإنحدار الذي يُحول الإمبراطورية إلى أطلال خاوية.ِ

 

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

مزاد في البيت الأبيض.. عندما يباع العرش الأمريكي بشيكات بدون رصيد

بقلم ياسر بركات