بين رسائل تل أبيب وصمت العواصم.. الإقليم عند لحظة الانكسار الكبير
تشير التقديرات المنسوبة للدوائر الأمنية والعسكرية في تل أبيب، والتصريحات العالية النبرة الصادرة عن بعض الوزراء في الحكومة الإسرائيلية، إلى أن هناك إعادة ترتيب للساحات؛ من باب المندب جنوباً، مروراً بغزة والضفة الغربية، وصولاً إلى جنوب لبنان، ناهيك عن التلويح والتصريح العدائي تجاه سيناء المصرية. والمفارقة التاريخية المؤلمة أن هذا الضجيج العسكري والسياسي يرتفع نبرته بالتزامن مع ذكريات حرب أكتوبر 1973، الذكرى التي كانت ولا تزال تشكل علامة فارقة في الوجدان القومي العربي، يوم أن التحمت الإرادة بالجغرافيا وتجلت القوة العسكرية في أبهى صورها.
إن المسألة لا تتلخص في مجرد تصريح صحفي عابر لوزير متطرف ينادي بانتهاك السيادة المصرية على سيناء، أو تهجم لفظي يستهدف دولة عربية هنا أو هناك. المسألة تتعلق بالمنطق الذي تحكم به إسرائيل وجودها واستراتيجيتها في المنطقة منذ إنشائها.
إن المنطق الإسرائيلي عبر تاريخه قام على معادلة ثلاثية الأبعاد: الردع المسبق، ونقل المعركة إلى أرض الخصم، والاعتماد المطلق على التفوق التكنولوجي والعسكري المدعوم بلا حدود من البيت الأبيض.
إن السلوك الإسرائيلي الراهن، يعتمد على الهروب إلى الأمام ، فالأزمة الداخلية الإسرائيلية، والانقسام السياسي والمجتمعي العمودي، والعد التنازلي لمشروعية قوة الردع التي تهشمت في ساحات عديدة، تجعل القرار السياسي والعسكري في تل أبيب يبحث دائماً عن عدو خارجي أو ساحة جديدة لإعادة تصدير الأزمة.
ومن هنا، تصبح خريطة العمليات المفترضة من باب المندب إلى الجنوب اللبناني ليست مجرد خطة عسكرية تفصيلية، بل هي نتاج عقيدة ترى في المنطقة مسرحاً مفتوحاً بلا سياج، وتتعامل مع الحدود السياسية والمواثيق الدولية وكأنها مجرد حبر على ورق، طالما أن الطرف الآخر لا يملك القدرة أو الإرادة على فرض ثمن باهظ لقاء أي اعتداء.
وتستوقفنا هنا مسألة التهديد بخرق السيادة المصرية على سيناء، بالتزامن مع ذكرى حرب أكتوبر ، إن سيناء بالنسبة لمصر والوطن العربي ليست مجرد قطعة أرض من الرمال والصخور؛ إنها درع مصر الشرقي، والممر التاريخي الذي عبرت منه الفتوحات عبر آلاف السنين.
حين تتجرأ أصوات رسمية في تل أبيب على التلميح بإعادة احتلال سيناء أو فرض واقع ديموغرافي وسياسي جديد عليها، فإن هذا لا يعبر فقط عن جهل إستراتيجي، بل يعبر عن استهانة بحقائق التاريخ والجغرافيا ، لقد أثبتت حوادث الزمن أن الجيش المصري ومؤسسات الدولة الوطنية حين يوضعون أمام اختبار الوجود والسيادة، ينحازون غريزياً وثقافياً لنبض الشارع المصري، الذي يعتبر سيناء عقيدة لا تقبل المساومة.
لكن السؤال المطروح هو: لماذا يتجرأ الخطاب الإسرائيلي على إطلاق هذه التهديدات دون خوف من ردود أفعال حازمة؟
الجواب يكمن في قراءة القيادة الإسرائيلية لميزان القوى الحالي، والاطمئنان إلى حالة الانقسام والوهن التي تعاني منها البيئة الإقليمية العربية ، إن تل أبيب تستند إلى واقع عربي مأزوم، غابت عنه كتلة الردع التاريخية، وتفرقت فيه الرؤى والإرادات بين حسابات ضيقة ومصالح اقتصادية وسياسية مجزأة.
إن القارئ للموقف العربي الراهن يجد نفسه أمام مفارقة مأساوية بكل المقاييس ، المنطقة العربية تملك من عناصر القوة الإستراتيجية ما لا تملكه أي أمة أخرى في هذا الإقليم:
موقع جغرافي يحكم أهم الممرات البحرية والتجارية في العالم من مضيق هرمز إلى باب المندب وقناة السويس.
ثروات مالية ونفطية هائلة قادرة على تغيير معادلات الاقتصاد العالمي.
ثقل ديموغرافي شبابي وإرادة شعبية جارفة ترفض للهوان عنواناً.
ورغم هذه المقومات الذاتية الهائلة، فإن الفعل السياسي العربي المشترك يبدو في أضعف حالاته، كأنه أصيب بمرض العجز الذاتي. إن الأنظمة العربية لا تملك سوى إصدار البيانات والإدانات المتكررة، لكن هذه الأدبيات السياسية أصبحت في عرف العواصم الكبرى مجرد ظاهرة صوتية تسعى لامتصاص غضب الشارع، دون أن تقترب من امتلاك أوراق الضغط الحقيقية.
العرب أخرجوا أنفسهم طواعية في كثير من الأحيان من معادلة صناعة القرار الإستراتيجي في منطقتهم ، أصبح الإقليم ساحة تتصارع فيها وتتوافق حولها مشاريع إقليمية ودولية غير عربية، (المشروع الإسرائيلي، المشروع الأمريكي، والتوازنات الإقليمية الأخرى)، بينما يقف العرب في موقع المتفرج الذي ينتظر سيناريوهات تصنع له في غرف مغلقة.
هذا الهوان ليس قدر محتوماً، بل هو نتيجة مباشرة لغياب رؤية قومية جامعة، والتنازل التدريجي عن مفهوم الأمن القومي العربي الشامل لصالح أمن كل دولة على حدة، وهو ما أتاح للقوة الإسرائيلية الاستفراد بالساحات واحدة تلو الأخرى.
إن السؤال البارز والمستمر: إلى متى ستظل إسرائيل تعربد وإلى متى يتواصل هذا التراجع العربي؟
الجواب الشافي لا يخرج من الأمنيات والدعوات، بل يستند إلى قراءة سنن التاريخ وحسابات موازين القوى:
إن أي قوة إقليمية تمارس العربدة لا ترتدع بالرجاء أو المناشدات الأخلاقية، وإنما تتوقف فقط حين تصطدم بجدار صلب من القوة الحقيقية. طالما ظل الثمن السياسي والاقتصادي والعسكري لعملياتها مقدوراً عليه ويحظى بغطاء حماية أمريكي مطلق، فإن سياستها الهجومية ستستمر.
إن القراءة العميقة للداخل الإسرائيلي تشير إلى أن الاستمرار في الحرب على عدة جبهات (من غزة والضفة إلى لبنان وباب المندب) يستنزف قدرات المجتمع العسكري الإسرائيلي ، فإسرائيل تواجه أزمة عميقة في مفهوم النصر الحاسم؛ إذ لم تعد قادرة على حسم المعارك بسرعة كما كانت تفعل في القرن الماضي.
لا يمكن الاستمرار في هذا المسار دون حتمية حدوث انكسار أو انفجار، إن الشارع العربي والمصري ليس معزولاً عن واقع حوادث المنطقة، والضغط الشعبي المتزايد سينشئ مع الوقت حالة من التدافع السياسي تدفع العواصم العربية إلى إعادة مراجعة تحالفاتها وأدوات ضغطها الإستراتيجية.
إن الذكرى الكبيرة لحرب أكتوبر لا ينبغي أن تكون مجرد خطابات احتفالية أو استدعاء فولكلوري للمواجهات الماضية؛ إنها يجب أن تكون درس استعادة الوعي.
لقد أثبتت الحرب أن القوة الإسرائيلية ليست أسطورة لا تُقهر، وأن الإرادة العربية حين تتوافر وتتكامل أسبابها، قادرة على قلب الطاولة وإرباك كافة حسابات الدوائر في واشنطن وتل أبيب.
إن منطقتنا تقف اليوم عند مفترق طرق حاسم في تاريخها الحديث: إما أن تستعيد الأمة قدرتها على صياغة مشروعها القومي الإستراتيجي، وتفرض حضورها كطرف حقيقي في معادلة الشرق الأوسط، وإما أن تترك الجغرافيا والتاريخ يُكتبان بأقلام وأوهام الآخرين، والقرار في نهاية المطاف ليس في يد تل أبيب ولا واشنطن، بل في يد العواصم العربية إذا ما قررت أن تخرج من دائرة السكون إلى فضاء الفعل والتأثير.