خريف الجنرالات في تل أبيب.. حين يرتدي الجلاد عباءة الحكمة
في مساء السبت، السابع من نوفمبر، خرج إسحاق هرتسوغ في القدس المحتلة ليعلن تكليف الجنرال السابق، ورئيس الأركان الأسبق، غادي آيزنكوت، بتشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة. وقف الرجل، بملامحه الصارمة الخالية من أي تعبير، وبجسده الممتلئ الذي يشي بخمسة وأربعين عاماً قضاها داخل المؤسسة العسكرية، ليتلقى التكليف كأنه يتسلم أمر عمليات ميداني.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا بإلحاح، والذي ينبغي ألا نتركه يضيع في خضم الصخب الإخباري اليومي: هل نحن بالفعل أمام ولادة مرحلة سياسية جديدة في إسرائيل تضع نهاية لعصر بنيامين نتنياهو المأزوم، أم أننا أمام مشهد مكرر من مسرحية التراجيديا الإسرائيلية، حيث تسقط الأقنعة لتكشف عن الوجه الحقيقي للكيان: دولة لا تجد خلاصها حين تضيق بها السبل وتستعصي عليها الخيارات، إلا بالهروب مجدداً إلى عباءة جنرال؟
لكي نفهم ما يجري في تل أبيب اليوم، ينبغي ألا نقرأ الحدث بمعزل عن سياقه التاريخي والاستراتيجي الأوسع. فالسياسة ليست أفعالاً تولد من فراغ، بل هي تراكمات وتفاعلات تصنعها موازين القوى، وتصيغها حسابات الجغرافيا، وتحركها في نهاية المطاف هواجس البقاء والمصير.
في الغرب، وتحديداً في واشنطن ولندن وباريس، هناك من يحاول تسويق غادي آيزنكوت بوصفه رجل الدولة البراجماتي الهادئ، والنقيض الموضوعي للتطرف الصاخب الذي جسده تحالف نتنياهو مع الفاشية الدينية ممثلة في سموتريتش وبن غفير.
وهنا بالضبط تكمن المغالطة الكبرى.
فمن هو غادي آيزنكوت في الحقيقة المجردة؟
إن الذاكرة العربية، والذاكرة الإنسانية على اتساعها، لا يمكن أن تسقط من صفحاتها أن هذا الجنرال القادم اليوم إلى سدة الحكم بثياب مدنية وربطة عنق منمقة، هو ذاته صاحب براءة الاختراع لأبشع عقيدة عسكرية عرفها القرن الحادي والعشرون: عقيدة الضاحية.
في خريف عام 2008، وكان وقتها قائداً للجبهة الشمالية، خرج آيزنكوت بلسانه، ومن دون أدنى مواربة، ليصيغ في صحيفة يديعوت أحرونوت نظريته القائلة بأن إسرائيل في أي مواجهة مقبلة لن تفرّق بين هدف عسكري وبنية تحتية مدنية. قال بالنص الصريح: "ما حدث في الضاحية الجنوبية لبيروت عام 2006 سيحدث في كل قرية تُطلق منها النار باتجاه إسرائيل.. سنفعّل عليها قوة غير متناسبة ونتسبب فيها بدمار هائل.. هذه ليست توصية، بل هذه خطة صادقنا عليها".
هذه الكلمات لم تكن زلة لسان عسكرية، بل كانت إعلاناً صريحاً ومقنناً لممارسة إرهاب الدولة المنظم وجرائم الحرب الممنهجة، نسف مبدأ التناسب الإنساني في القانون الدولي، وتحويل المدن والمجتمعات الحاضنة إلى ركام عقابي. وحين أصبح رئيساً للأركان بين عامي 2015 و2019، لم يتراجع قيد أنملة ، بل كانت تعليماته لقناصي جيش الاحتلال على حدود قطاع غزة إبان مسيرات العودة عام 2018 هي التطبيق الحي لهذه القسوة المجردة، حين حصد الرصاص الحي أجساد مئات الشبان والأطفال والمسعفين العُزّل على مرأى ومسمع من العالم.
إن توصيف آيزنكوت بأنه معتدل هو محض تزييف للمصطلحات ، فالرجل ليس بديلاً عن الإجرام، بل هو مهندسه الأكثر منهجية وتنظيماً وبروداً.
لقد دخل آيزنكوت المعترك السياسي الإسرائيلي في السنوات الأخيرة وهو يحمل جرحاً غائراً تركته الحرب في لحمه الحي. ففي ديسمبر من عام 2023، وبينما كان عضواً في حكومة الطوارئ الحربية (مجلس الحرب) يشرف على العمليات العسكرية الوحشية في قطاع غزة، سقط ابنه الأصغر، الرقيب غال آيزنكوت، قتيلاً في معارك جباليا شمال القطاع. وبعدها بأيام معدودات، قُتل ابن أخته في الميدان ذاته.
وقف الأب والجنرال فوق القبر في مقبرة هرتسليا العسكرية، بكى بمرارة الرجل المفجوع، لكن المفارقة التي لا يلحظها إلا من يدقق في علم النفس السياسي للنخب الإسرائيلية، هي أن هذه المأساة الشخصية لم تصنع منه رسول سلام، بل عمّقت في داخله قناعة المؤسسة العسكرية التقليدية بأن المعركة وجودية وصفرية، لكنها في الوقت نفسه رسخت يقينه بأن السياسة الإسرائيلية تحت قيادة نتنياهو باتت تُدار بحسابات البقاء الشخصي والعبث بالمصير القومي، لا بحسابات المصالح العليا للدولة.
انفصل آيزنكوت عن حكومة الطوارئ لاحقاً، معلناً بوضوح أن الحرب فقدت بوصلتها السياسية، وأن بيع الأوهام للجمهور الإسرائيلي حول النصر المطلق ليس سوى تضليل استراتيجي يورث الكوارث. وهنا برز التباين الحقيقي الذي تحاول الدوائر الدولية اليوم الرهان عليه.
فأين يختلف آيزنكوت حقاً عن نتنياهو؟
أولاً : في شأن قطاع غزة واليوم التالي
بينما غرق نتنياهو في شعارات البقاء وإعادة احتلال غزة وتوطينها إرضاءً لوزرائه من الصهيونية الدينية، تحرك آيزنكوت من منظور الأمن القومي الصرف. هو يرى أن الغرق العسكري الطويل في رمال غزة هو استنزاف استراتيجي يهدد بتفكيك الجيش الإسرائيلي من الداخل وعزل إسرائيل دولياً. من هنا، أيد آيزنكوت في نقاشاته ووثائقه السياسية الوصول إلى صفقات تبادل للأسرى ولو اقتضت وقفاً للقتال، مع ترتيبات أمنية تسند الإدارة المدنية لأطراف إقليمية وفلسطينية معتدلة، لا تعيد إنتاج حكم حماس، ولكنها تعفي تل أبيب من كلفة إدارة حياة مليوني فلسطيني.
ثانياً : في معركة الضفة الغربية ومشروع الاستيطانى E1
هنا تبرز الفجوة الأكثر وضوحاً وحساسية بين المنطقين. فنتنياهو، المرتهن لليمين الاستيطاني المتطرف، دفع بكل ثقله لتنفيذ المخطط الاستيطاني الخطير .ذلك المشروع الرامي إلى بناء آلاف الوحدات الاستيطانية لربط مستوطنة معاليه أدوميم بالقدس، وهو ما يعني عملياً شطر الضفة الغربية إلى كانتونين معزولين تماماً (شمالي وجنوبي)، والقضاء نهائياً ورسمياً على أي إمكانية جغرافية لقيام دولة فلسطينية متصلة.
موقف آيزنكوت والمدعوم برؤية النخبة الأمنية وتقديرات واشنطن يرى في البناء الفج في هذة المنطقة ،
حماقة استراتيجية واستفزازاً غير محسوب يجلب تصادماً مدمراً مع الحليف الأمريكي ومع المنظومة الدولية. ليس ذلك من منطلق الحرص على حقوق الفلسطينيين أو إيماناً بحل الدولتين فالرجل أعلن بوضوح أن إقامة دولة فلسطينية في المدى المنظور هو وهم خطروإنما لحماية جوهر المشروع الصهيوني ذاته ، فهو يدرك أن الضم الشامل وبناء المعازل المطلقة سيقود إسرائيل حتماً إلى فخ الدولة الواحدة ثنائية القومية، وهو الكابوس الديموغرافي والأمني الأكبر الذي تخشاه المؤسسة العسكرية. إنه يريد الحفاظ على الكتل الاستيطانية الكبرى، مع إبقاء نوع من الفصل الوظيفي والكياني المرن في الضفة، تجنباً لانفجار شامل.
ثالثاً : التحالفات الدولية ومظلة واشنطن
إن الفارق الجوهري يكمن في إدراك قيمة المظلة الأمريكية؛ فنتنياهو كان مستعداً للمقامرة بعلاقات تل أبيب مع الحزب الديمقراطي والبيت الأبيض لحساب بقائه الشخصي، في حين ينتمي آيزنكوت إلى المدرسة التقليدية التي ترى أن إسرائيل عاجزة عن خوض حروبها الكبرى أو الحفاظ على تفوقها الاستراتيجي دون شراكة عضوية تامة مع واشنطن، وتناغم مع البنتاجون وأجهزة الاستخبارات الغربية.
إن المشهد في تل أبيب اليوم لا يعني بحال من الأحوال هبوط حمامة سلام على المنطقة، ولا يمثل انعطافة نحو تسوية تاريخية عادلة.
إن التكليف الذي تسلمه غادي آيزنكوت ليس أكثر من تبديل للأدوات. هو محاولة من النظام السياسي الإسرائيلي لترميم تصدعاته الداخلية، وتهدئة الغضب الشعبي العارم، واستعادة ثقة حلفائه الغربيين بعد سنوات من التخبط الأيديولوجي الأعمى.
الفارق بين نتنياهو وآيزنكوت هو في جوهره الفارق بين المغامر العقائدي الذي يحرقه جنون العظمة والمصالح الفردية، والجنرال المؤسسي البرجماتي الذي يجيد حساب كلفة الرصاصة بدقة الرياضيين، ويؤمن بالقوة المفرطة غير المتناسبة ولكن في إطار وظيفتها السياسية.
كلاهما وجهان لعملة احتلال استيطاني واحدة ، الأول يجرف ويهدم بصخب الغوغاء، والثاني يهندس القتل والسيطرة بهدوء غرف العمليات وخرائط الأركان. والتاريخ يعلمنا أن أخطر المستعمرين هم أولئك الذين يرتكبون فظائعهم بقناعة باردة وخطط مدروسة، متدثرين بعباءة العقلانية المزعومة.