كيف أعادت "قمة القاهرة" هندسة التوازنات الإقليمية؟
لم تكن المصافحة التي جرت في قصر الاتحادية مجرد بروتوكول دبلوماسي ينهي عقداً من الجفاء، بل كانت إعلاناً صريحاً عن ولادة "محور الضرورة" بين القاهرة وأنقرة، جاءت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لمصرفي توقيت شديد الحساسية، لتضع حداً لمرحلة "تصفير الأزمات" وتبدأ مرحلة "التحالف " الذي سيعيد رسم موازين القوى في شرق المتوسط والشرق الأوسط من غزة إلى أدغال أفريقيا.
تكتسب الزيارة دلالتها العميقة من سياقها الزمني؛ فالعالم في عام 2026 يمر بمخاض عسير، والمنطقة تعاني من تداعيات حروب مستمرة وضغوط اقتصادية خانقة، أدركت القيادتان في مصر وتركيا أن استمرار التنافس الأيديولوجي أو الصراع على مناطق النفوذ لم يعد ترفاً ممكناً لذا، جاءت الزيارة لتعكس تحولاً جذرياً في التفكير الاستراتيجي: الانتقال من الصدام حول الملفات الخلافية إلى "إدارة الخلاف" وتغليب المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة. إنها رسالة للقوى الدولية الكبرى بأن القوى الإقليمية المركزية قادرة على صياغة حلولها الخاصة بعيداً عن الإملاءات الخارجية.
خلف الأبواب المغلقة، لم تكن المباحثات مقتصرة على الجغرافيا القريبة، بل امتدت لتشمل جبهات مشتعلة تمس الأمن القومي للبلدين بعمق. في ملف غزة، برزت مصر وتركيا كـ "جناحي الصقور" في المطالبة بوقف شامل لآلة الحرب، حيث تم الاتفاق على تقاسم أدوار ذكي؛ تتولى فيه مصر الجانب الاستخباراتي واللوجستي والوساطة المباشرة، بينما تلعب تركيا دور "الظهير السياسي" والممول الأساسي لإعادة الإعمار أما في ليبيا، انتقل الطرفان من مرحلة دعم الأطراف المتصارعة إلى التنسيق لتوحيد المؤسسة العسكرية، مما يعني تأمين الجوار المصري الغربي وضمان المصالح الاقتصادية التركية في آن واحد.
وبالانتقال إلى الملفات الأكثر تعقيداً في العمق الأفريقي، شكل السودان محوراً رئيساً في القمة؛ حيث توافقت الرؤى على ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية ومنع انهيارها، مع تنسيق الجهود الإغاثية والدبلوماسية لوقف تدفق السلاح للأطراف غير النظامية. وفي الصومال، وجهت القمة رسالة حازمة برفض أي محاولات للنيل من سيادة مقديشو أو تقسيم أراضيها، وهو موقف يعكس تلاقي الرغبة التركية في حماية نفوذها العسكري والاقتصادي في القرن الأفريقي مع الرغبة المصرية في حماية أمن البحر الأحمر من أي تهديدات جيوسياسية ناشئة.
لم يغب "منتدى غاز شرق المتوسط" عن الطاولة؛ فتركيا، التي عانت من عزلة في هذا الملف، وجدت في التقارب مع مصر مدخلاً شرعياً للمشاركة في ثروات الغاز بعيداً عن الصدامات مع اليونان. هذا التعاون يحول القاهرة وأنقرة إلى "مركز عالمي للطاقة" يتحكم في تدفقات الغاز نحو أوروبا. وعلى الصعيد العسكري، تجاوزت الزيارة التفاهمات الأمنية لتصل إلى "التصنيع المشترك"، حيث تسعى مصر لتوطين تكنولوجيا الطائرات المسيرة التركية، بينما تستفيد أنقرة من الموقع الاستراتيجي والخبرة الميدانية للجيش المصري، مما يخلق قوة ردع إقليمية قادرة على حماية المصالح المشتركة من المتوسط إلى باب المندب.
إن الآثار المترتبة على هذه الزيارة تتجاوز العلاقات الثنائية؛ فهي تعني عملياً إضعاف نفوذ القوى غير العربية والإقليمية التي كانت تقتات على الخلاف المصري التركي هذا التقارب يمنح النظام الإقليمي "مركز ثقل" جديداً، ويجعل من التنسيق (القاهري - الأنقرى) صمام أمان يمنع تفكك الدول الوطنية في السودان وليبيا والصومال، ويفرض واقعاً جديداً في القضية الفلسطينية.
وفي النهاية يمكن القول إن زيارة أردوغان للقاهرة لم تكن نهاية المطاف، بل هي "طلقة البداية" لنظام إقليمي جديد يعتمد على الواقعية السياسية، لقد احترقت أوراق الماضي في نيران الأزمات الحالية، ولم يتبقَ أمام القوتين سوى المضي قدماً في شراكة قد تكون هي الأهم في صياغة مستقبل الشرق الأوسط في القرن الحادي والعشرين.

