"بنك الجلد" .. وحرمة الأجساد
نحن أمام أزمة جديدة تفتح أبواب الشيطان وتجعل الجميع يدلى بالفتوى الدينية كأنه على علم بالدين وبالفقه!، فلم تكن النائبة في البرلمان المصري وهي تتقدم بمقترح لإنشاء أول "بنك للجلد" في البلاد، تتخيل أنها ستوقظ عاصفة فقهية نائمة منذ سنوات، حيث تحول الشارع المصرى فجأة إلى ساحة لمناظرة دينية كبرى تتجاوز حدود الطب لتدخل في صلب العقيدة، فكرة المشروع تقوم على حفظ جلود الموتى المتبرع بها لاستخدامها في ترقيع أجساد مصابي الحروق الكيميائية والحرائق الكبرى، وهو ما اعتبره أنصار التحديث ضرورة طبية لا تحتمل التأجيل، بينما رأى فيه فريق واسع من الفقهاء انتهاكاً لكرامة الإنسان التي كفلتها الشريعة، لتبدأ معركة "المشرط والمحراب" في واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل.
تتصدر جبهة المعارضة الإسلامية أسماء كبيرة في عالم الفقه، على رأسها الفقيه الراحل الذي لا يزال فقهه مرجعياً في هذه القضايا، الشيخ محمد متولي الشعراوي، الذي كان يرى في التبرع بالأعضاء عموماً "تجاوزاً لحدود الله"، منطلقاً من قاعدة أن الإنسان لا يملك جسده ليتبرع به، بل هو وديعة من الخالق، ويشاركه في هذا التيار المتشدد تجاه القضية الفقيه الدكتور أحمد عمر هاشم، عضو هيئة كبار العلماء، الذي لطالما أكد في فتاواه أن جسد الميت له حرمة الجسد الحي، مستشهداً بالحديث النبوي "كسر عظم الميت ككسره حياً"، معتبراً أن عملية "سلخ الجلد" من جثة الميت تمثل تمثيلاً بجسد كرمه الله، ولا يجوز شرعاً وإن كان الهدف نبيلاً.
بينما تمتد قائمة المعارضين لتشمل الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، الذي يرفع لواء التحذير من "سلعنة الإنسان"، يرى كريمة أن إنشاء "بنك" بحد ذاته يوحي بعملية تجارية مشبوهة، محذراً من أن هذه الخطوة قد تفتح الباب الخلفي لتجارة الأعضاء البشرية تحت ستار التبرع، وفي سياق التحليل السردي لهذه المعارضة، نجد أن التخوف الأكبر يكمن في تحول الفقراء إلى "مخازن جلود" للأثرياء، حيث يخشى المعارضون أن يتم التلاعب بالوصايا أو استغلال الفئات الهشة، مما يجعل من فكرة البنك تهديداً للسلم المجتمعي والكرامة الإنسانية التي يشدد عليها الإسلام في قوله "ولقد كرمنا بني آدم".
وعلى الطرف الآخر من النقاش، يبرز التحدي الذي تواجهه المعارضة الإسلامية أمام واقع طبي أليم، حيث تشير التقارير إلى آلاف المصابين الذين يواجهون الموت أو الإعاقة الدائمة لعدم توفر بدائل للجلد البشري، وهنا يطرح المعارضون تساؤلات حول "الضرورة"؛ فهل وصلت الحالة إلى حد لا يمكن معه العلاج ببدائل أخرى مثل جلود الحيوانات المعالجة أو الجلود الصناعية؟ هذا السؤال هو ما يرتكز عليه الفقهاء المعارضون، مؤكدين أن قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات" لا تُفعل إلا إذا انعدمت البدائل تماماً، وهو ما لم يثبته الطب بشكل قاطع بعد في مواجهة الجلد البشري الطبيعي.
وفي خضم هذا الصراع، تبرز أصوات من تيار الوسط الفقهي تحاول إيجاد مخرج يجمع بين الحفاظ على كرامة الميت وإنقاذ الحي، لكن المعارضة تظل متمسكة بأن "المآلات" هي الفيصل، ففتح باب "بنوك الجلد" قد يؤدي إلى تساهل في بقية الأعضاء، مما يجعل من الموت رحلة إلى طاولة التقطيع بدلاً من القبر، إن هذا الجدل المحتدم يعكس عمق الهوة بين طموح المشرع المصري في تحديث المنظومة الصحية وبين التحفظات الدينية التي ترى في الجسد البشري كياناً غير قابل للتجزئة أو التخزين، مما يجعل مستقبل "بنك الجلد" رهيناً بتوافق فقهي لم تظهر بوادره حتى الآن.
إن هذه المعركة ليست مجرد خلاف بسيط، بل هي تعبير عن قلق الهوية والدين في مواجهة العلم، حيث تظل أسماء مثل أحمد عمر هاشم وأحمد كريمة تمثل حائط الصد الذي يطالب بالتوقف طويلاً قبل المساس بجسد الإنسان، معتبرين أن "دفن الميت" هو التكريم الوحيد الذي أقره الشرع، وأن أي محاولة لتغيير هذا المسار تتطلب إجماعاً فقهياً لا يتوفر حالياً في ظل حالة الشك تجاه نزاهة التطبيق وصرامة الرقابة القانونية.

