زلزال "دوغين" وسقوط الغرب: من فضائح "إبستين" إلى طوفان الأقصى
لن تتوقف توابع ابستين وفضائحها،وحيث تشهد الساحة الدولية في الوقت الراهن تحولات دراماتيكية تتجاوز حدود السياسة التقليدية لتلامس الخيال، حيث لم يعد الصراع القائم مجرد خلاف على حدود أو مصالح اقتصادية، بل تحول في نظر أقطاب الفكر الروسي، وعلى رأسهم ألكسندر دوغين المقرب من الكرملين، إلى معركة وجودية ضد نخبة يصفها بالشيطانية. يرى دوغين أن العالم الغربي قد انهار أخلاقياً وسقطت عن قياداته ورقة التوت، معتبراً أن تورط أسماء سياسية ثقيلة مثل دونالد ترامب في ملفات وثائق جيفري إبستين المرتبطة بالاتجار بالبشر واستغلال الأطفال يمثل إعلاناً رسمياً لنهاية أي مشروعية أخلاقية للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بل ويذهب أبعد من ذلك بوصف الغرب العالمى كمنظمة إجرامية تستغل البشرية وتحول الكوكب بأكمله إلى نسخة مكبرة من تلك الجزيرة سيئة السمعة، داعياً ترامب صراحة للاستقالة تحت وطأة هذه الفضائح التي لم تعد مجرد أخبار صفراء بل أصبحت ركيزة في تحليل التفكك الأمريكي السريع.
في خضم هذا التلاطم الفكري، تبرز أحداث "طوفان الأقصى" في ميزان دوغين كصدع أهدر هيبة القطب الواحد، فهي لم تكن مجرد جولة صراع محلية بل "صدمة نسقية" أصابت قلب المشروع الغربي في لحظة فارقة، لتمثل البداية الفعلية لانهيار الهيمنة الأخلاقية والتقنية للغرب. ويرى دوغين أن عجز المنظومة الأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية المدعومة أمريكيا عن صد هذا الهجوم هو مرآة للانحدار الأمريكي الشامل، وتأكيد على أن القوة العسكرية الفائقة لم تعد كافية لحماية الحلفاء في منطقة بدأت تنفلت من قبضة القطب الواحد، ليرتبط هذا الطوفان عضوياً بالصراع في أوكرانيا كجزء من حرب عالمية ثالثة "مجزأة" تهدف لإنهاء الأحادية القطبية، خاصة وأن انشغال واشنطن المطلق بدعم إسرائيل كشف عجزها عن إدارة أزمتين استراتيجيتين، مما منح روسيا والصين فرصة ذهبية لتعزيز نفوذهما في أوراسيا.
أما على الصعيد الإقليمي، فإن دوغين يحلل التحول في الموقف الإيراني والتركي والروسي تجاه غزة باعتباره تشكلاً لمحور "روحي وسياسي" جديد يرفض القيم الليبرالية الغربية، حيث يبرز موقف المرشد الإيراني علي خامنئي برفضه القاطع للقاء ترامب كمتسق مع هذه الرؤية الرافضة للتعامل مع نظام "مختل" يسير نحو الهاوية. هذا الرفض الإيراني، الذي يمتد ليشمل المستويات القيادية الأدنى، يضفي وزناً استراتيجياً مختلفاً لطهران في معادلة الكرامة السياسية، ويحذر دوغين من أن الصمود في غزة قد يكون الشرارة التي تشعل "تمرد القواعد العسكرية" في المنطقة، حيث بدأت دول كانت تُحسب ضمن الحلفاء التقليديين لواشنطن تعيد حساباتها استراتيجياً، مدركةً أن المظلة الأمريكية أصبحت مثقوبة، وأن المستقبل يكمن في تحالفات الشرق الجديدة بعيداً عن "الجزيرة الشيطانية".
إن هذا المشهد الضبابي يقودنا حتماً نحو مواجهة قادمة تبدو ملامحها في الحشود العسكرية الهائلة التي لا يمكن اختزالها في مجرد استعراض للقوة، حيث تنشغل دوائر الاستخبارات الغربية بفك شفرات التحالف الاستراتيجي الجديد بين بكين وطهران.
وبالرغم من أن التوقعات لا تشير إلى دخول الصين حرباً مباشرة، إلا أن دعمها الأمني والاستخباري والتقني لإيران قد يؤدي إلى تحولات عسكرية غير مسبوقة، ربما تصل إلى رؤية حاملات طائرات أمريكية تغرق لأول مرة في التاريخ المعاصر.
إن حالة التمرد السياسي الصامت التي بدأت تظهر في مواقف دول مثل تركيا وباكستان وحتى السعودية تجاه الغطرسة الأمريكية، تشير إلى أن القواعد العسكرية في المنطقة قد تجد نفسها قريباً في فخ بين خصوم أقوياء وحلفاء ضاقوا ذرعاً بالتصرفات الرعناء، مما يجعل من قراءة أفكار دوغين ضرورة لفهم طوفان التحولات القادم الذي لن يستثني أحداً في هذا العالم المتغير.