على حافة الهاوية.. الموقف الإيراني وحسابات الحرب !
تعيش منطقة الشرق الأوسط منذ عقود حالة من "الاستقرار الهش" الذي يقطعه بين الحين والآخر نذر مواجهة كبرى، إلا أن المشهد الحالي، في ظل التشابكات الإقليمية والدولية، يضع الموقف الإيراني تحت مجهر دقيق يحلل تحركاته بين حافة الهاوية وضبط النفس الاستراتيجي.
إن الحديث عن احتمالات الحرب مع إيران لم يعد مجرد سيناريوهات افتراضية في غرف الأبحاث، بل أصبح واقعاً تفرضه لغة التهديد المتبادلة، وتصاعد وتيرة المناوشات على جبهات متعددة، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل تقترب طهران من مواجهة مباشرة، أم أنها ما زالت تتقن فن اللعب في "المساحات الرمادية"؟
يستند الموقف الإيراني الحالي إلى عقيدة "الدفاع الهجومي" وتوسيع دائرة الردع لتشمل حلفاءها في المنطقة، أو ما يعرف بـ "وحدة الساحات"، من منظور طهران، فإن أي حرب شاملة تعني تهديداً وجودياً للنظام، وهو ما تحاول تجنبه بشتى الوسائل، مفضلةً استنزاف الخصوم.
ومع ذلك، فإن الضغوط المتزايدة، سواء كانت عبر العقوبات الاقتصادية الخانقة أو الاستهدافات المباشرة لقياداتها العسكرية ومنشآتها النووية، بدأت تضيق مساحة المناورة أمام صانع القرار الإيراني. هذا الضيق يدفع طهران أحياناً إلى الرد المباشر لحفظ هيبتها الداخلية ومكانتها الإقليمية، مما يرفع من احتمالات الخطأ في التقدير من أي طرف، وهو الوقود الحقيقي لاندلاع الحروب الكبرى.
في كفة الميزان الأخرى، نجد أن احتمالات الحرب ترتبط ارتباطاً وثيقاً بملفين أساسيين: الملف النووي، والتوسع الإقليمي. بالنسبة للغرب وإسرائيل، وصول إيران إلى "حافة القنبلة" يمثل خطاً أحمر قد يستدعي عملاً عسكرياً وقائياً
أما إيران، فترى في قدراتها النووية والباليستية "درعاً سيادياً" يحميها من مصير دول أخرى شهدت تغيير أنظمة بالقوة. هذا الصدام الحتمي في الرؤى يجعل من الدبلوماسية مجهداً ومن خيار الحرب حاضراً دائماً كبديل أخير لكن، هل الأطراف الدولية مستعدة لدفع كلفة حرب مع دولة بحجم إيران وجغرافيتها المعقدة وقدرتها على إغلاق ممرات مائية حيوية مثل مضيق هرمز؟
الحقيقة أن إيران تدرك تماماً مواطن قوتها وضعفها؛ فهي تملك تفوقاً في حروب العصابات البحرية، والطائرات المسيرة، والصواريخ الدقيقة، لكنها تعاني من تقادم في سلاح الجو وضعف في الاقتصاد لذا، فإن استراتيجيتها في أي مواجهة محتملة لن تكون حرباً نظامية كلاسيكية، بل ستكون "حرباً شاملة غير متناظرة" تهدف إلى رفع تكلفة الحرب على الخصم إلى حد لا يمكن تحمله. هذا الإدراك المتبادل للكلفة العالية هو ما منع انفجار المواجهة الشاملة حتى الآن، وخلق حالة من "الردع المتبادل بالرعب".
ومع ذلك، فإن المتغيرات الأخيرة تزيد من تعقيد المشهد؛ فالتحالفات الجديدة في المنطقة، وانخراط قوى دولية مثل روسيا والصين بشكل أعمق في الشراكة مع طهران، قد يمنح الأخيرة شعوراً زائداً بالثقة أو "غطاءً دولياً" يشجعها على اتخاذ مواقف أكثر حدة في المقابل، فإن أي تحول في السياسة الأمريكية نحو "الضغط الأقصى" الفعلي أو منح الضوء الأخضر لعمليات جراحية كبرى ضد المنشآت الإيرانية، قد يكسر قواعد الاشتباك المعمول بها منذ سنوات.
احتمالات الحرب تزداد كلما تآكلت فاعلية العقوبات كأداة ضغط، وفشلت المسارات الدبلوماسية في تقديم ضمانات أمنية مرضية للطرفين، لا يمكن قراءة الموقف الإيراني بمعزل عن الداخل؛ فالسلطة في طهران تواجه تحديات اجتماعية واقتصادية تفرض عليها أحياناً تصدير الأزمات للخارج، أو على العكس، الانكفاء لتجنب انفجار داخلي قد تشعله شرارة حرب غير محسومة، إن "صبر إيران الاستراتيجي" الذي تتغنى به الدبلوماسية الإيرانية بدأ يتحول إلى "فعل استراتيجي" أكثر جرأة، وهو ما نراه في الهجمات المباشرة التي انطلقت من الأراضي الإيرانية في الآونة الأخيرة، مما كسر "تابو" المواجهة المباشرة الذي استمر لعقود.
في الختام، يبدو أن المنطقة تسير فوق حقل من الألغام، حيث الموقف الإيراني ثابت في أهدافه، متغير في تكتيكاته. احتمالات الحرب تظل قائمة وقوية ما لم يتم التوصل إلى "هندسة أمنية جديدة" تعترف بمصالح كافة الأطراف، وحتى ذلك الحين، ستبقى الأعين معلقة على أي شرارة قد تنطلق من مياه الخليج أو من جبال لبنان أو من منشآت أصفهان، لتقرر ما إذا كان العالم سيشهد مواجهة كبرى تعيد تشكيل خارطة الشرق الأوسط، أم أن ميزان الرعب سيستمر في فرض هدنة هشة تطيل أمد الانتظار على حافة الهاوية.

