زلزال في واشنطن: استقالة "جو كينت" تعري انقسامات البيت الأبيض
في خطوة وصفها المراقبون بأنها "الزلزال الدبلوماسي والأمني" الأبرز منذ بداية عام 2026، أعلن جو كينت، مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب (NCTC)، استقالته من منصبه يوم الثلاثاء 17 مارس، لم تكن الاستقالة مجرد مغادرة لمنصب رفيع، بل كانت صرخة احتجاج مدوية ضد انزلاق إدارة الرئيس دونالد ترامب نحو حرب شاملة مع إيران، وهو ما كشف عن تصدع كبير في جدار "أمريكا أولاً" الذي طالما تفاخر به ترامب.
جو كينت، العقيد السابق في القوات الخاصة (القبوع الأخضر) الذي خدم في 11 مهمة قتالية وفقد زوجته في تفجير انتحاري بسوريا عام 2019، لم يكن يوماً من خصوم ترامب، بل كان أحد أكثر مؤيديه إخلاصاً، لكنه في خطاب استقالته الذي نشره علناً، أكد أنه "لا يمكنه بضمير حي دعم الحرب الدائرة في إيران".
وجاءت كلمات كينت لتقلب الطاولة على الرواية الرسمية للبيت الأبيض، حيث صرح بوضوح أن إيران "لم تشكل تهديداً وشيكاً للولايات المتحدة"، مشيراً إلى أن قرار الحرب لم ينبع من مصالح أمنية أمريكية صرفة، بل كان نتيجة ضغوط مكثفة من الحكومة الإسرائيلية و"اللوبي القوي" التابع لها في واشنطن، هذا الاتهام الصريح أحدث صدمة في الأوساط السياسية، كونه يأتي من الرجل المسؤول عن تحليل كافة التهديدات الإرهابية التي تواجه الأمة.
تعكس استقالة كينت حالة من الاستياء المتصاعد داخل مجتمع الاستخبارات الأمريكي، فبينما يصر ترامب على أن ضرباته العسكرية "استباقية وناجحة"، يرى كبار المسؤولين في "سي آي إيه" ومركز مكافحة الإرهاب أن الإدارة تتجاهل التقارير الفنية لصالح أجندات سياسية خارجية.
اللافت للنظر هو الصمت المريب لتولسي جابارد، مديرة الاستخبارات الوطنية ورئيسة كينت المباشرة، التي كانت تُعرف بمعارضتها الشديدة للتدخلات العسكرية. هذا الصمت، الممزوج باستقالة كينت، يوحي بأن هناك صراعاً خفياً بين "الصقور" الذين يحيطون بترامب وبين المهنيين الذين يخشون تحول الشرق الأوسط إلى "فخ" جديد يستنزف الأرواح والأموال الأمريكية، تماماً كما حدث في أفغانستان والعراق.
بعيداً عن أروقة واشنطن، يسود الشارع الأمريكي حالة من القلق المتزايد. فالحملة الانتخابية لترامب قامت على وعود بإنهاء "الحروب التي لا تنتهي"، لكن الواقع في عام 2026 يشير إلى العكس تماماً، فهناك شعور بالخداع لدى جزء من القاعدة الشعبية لترامب، التي ترى في التصعيد مع إيران تناقضاً صارخاً مع وعوده الانتخابية.
جدير بالذكر أن هذه الانتقادات لم تقتصر على المعارضة الديمقراطية، بل امتدت لتشمل أصواتاً من داخل الحزب الجمهوري نفسه، ممن يخشون تكرار سيناريو "أسلحة الدمار الشامل" في العراق، ويرى محللون أن إصرار ترامب على سياسة "الضغوط القصوى" التي تحولت إلى "صدام مباشر" قد تضعف موقفه الداخلي، خاصة مع تزايد المخاوف من ارتفاع أسعار الطاقة وتدفق التوابيت من جبهة القتال.
كعادته، لم يتأخر الرئيس ترامب في الرد، حيث وصف كينت بـ "الضعيف أمنياً"، مدعياً أنه لم يكن يعرفه جيداً رغم أنه هو من عينه في يوليو الماضي، وهو ادعاء يتناقض كلياً مع إشادة ترامب السابقة بكينت وقت تعيينه، حين وصفه بـ 'البطل القوي' و'الرجل الذي نحتاجه لتجفيف مستنقع البيروقراطية الاستخباراتية'، هذا الهجوم الشخصي زاد من حدة التوتر، حيث اعتبره خصوم ترامب محاولة للهروب من جوهر الانتقادات التي وجهها كينت بخصوص تبعية القرار الأمريكي لإسرائيل وتجاوز القنوات الاستخباراتية الرسمية.
تقف الولايات المتحدة اليوم أمام مفترق طرق؛ فإما الاستمرار في نهج "المغامرات العسكرية" الذي يقوده البيت الأبيض تحت ضغوط خارجية، أو العودة إلى تقييمات المهنيين من أمثال جو كينت الذين جربوا ويلات الحرب وفقدوا أحباءهم فيها، استقالة كينت ليست نهاية القصة، بل هي بداية لمرحلة من المساءلة الشعبية والمؤسسية قد تعيد رسم ملامح السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط للأعوام القادمة