لبنان بين خيار المقاومة.. وأوهام السلام تحت الركام

ياسر بركات
ياسر بركات

في الجنوب اللبناني، لا تدور مجرد معارك عسكرية بالمعنى التقليدي، بل هو صراع إرادات فوق تضاريس وعرة صاغت وجدان المقاومة،  إن ما يحدث اليوم يتجاوز قواعد الإشتباك القديمة.


المقاومة اللبنانية، وعلى رأسها حزب الله، إستطاعت تحويل القرى الحدودية إلى قلاع صامتة تُكبد الجيش الإسرائيلي خسائر فادحة في النخبة والعتاد، إن إستخدام الطائرات المسيرة الإنقضاضية والصواريخ الموجهة بدقة، لم يربك الحسابات الميدانية الإسرائيلية فحسب، بل خلق حزاماً أمنياً داخل العمق الإسرائيلي لأول مرة منذ عام 1948، مما أدى إلى نزوح مئات الآلاف من المستوطنين. 

هذا التطور يعد تحولاً إستراتيجياً يجعل من قوة الردع الإسرائيلية موضع تساؤل كبير.


لكن لا يمكن فهم صمود المقاومة دون النظر إلى الكتلة البشرية التي تسند ظهرها، جزء كبير من المجتمع اللبناني، وليس الشيعة وحدهم، يرى في المقاومة درعاً أخيراً ضد أطماع تاريخية في الأرض والمياه.


المقاومة في لبنان ليست مجرد تنظيم عسكري، بل هي نسيج إجتماعي متجذر. هذا الإلتفاف الشعبي هو الذي يمنح المقاتل في الميدان شرعية لا تستطيع القرارات الدولية إنتزاعها، فالناس هنا لا يبحثون عن مغامرة، بل يمارسون حق البقاء أمام عدو لم يحترم يوماً سيادة لبنان.


على الجانب الآخر من المشهد، تقف السلطة الرسمية في بيروت في موقف لا تحسد عليه، هناك ضغوط دولية هائلة، تقودها واشنطن وباريس، تدفع بإتجاه تسوية أو ترتيبات أمنية تضمن هدوء الجبهة الشمالية لإسرائيل.


ومنطق السلطة في ذلك  البحث عن الإستقرار الإقتصادى والخروج من نفق الإنهيار المالي، حتى لو كان الثمن تقديم تنازلات حدودية أو أمنية.


لكن منطق المقاومة يرى أن أي سلام مع إسرائيل في ظل موازين القوى الحالية هو إستسلام مُقنّع سيجعل لبنان لقمة سائغة مستقبلاً.


لكن هل يؤدي هذا الإنقسام الحاد إلى حرب أهلية؟
الحرب الأهلية لا تشتعل بقرار، بل تنفجر حين ينسد أفق الحوار الوطني وتتحول الخلافات السياسية إلى خنادق طائفية ومسلحة.


بخلاف وجود عوامل للتفجير منها التحريض الخارجي، الإنهيار الإقتصادى، وشعور أطراف لبنانية أخرى بأن سلاح المقاومة يصادر قرار الحرب والسلم،
وإذا كانت هناك عوامل للتفجير هناك عوازل الكبح وهى إدراك جميع الأطراف أن الحرب الأهلية في لبنان هي إنتحار جماعي، وأن حزب الله يمتلك من القوة العسكرية ما يجعل أي مواجهة داخلية معه محسومة النتائج عسكرياً، لكنها كارثية وطنياً.


إن إسرائيل والولايات المتحدة قد تراهنان على تآكل الحاضنة الشعبية للمقاومة عبر الحصار الإقتصادى، وليس عبر المواجهة المباشرة، لخلق ضغط داخلي يؤدي إلى إنفجار البيت اللبناني من الداخل.


إن لبنان اليوم يقف في لحظة الحقيقة. الصراع في الجنوب ليس مجرد تبادل لإطلاق النار، بل هو إعادة رسم لخريطة النفوذ في الشرق الأوسط، والمقاومة تثبت في الميدان أن زمن النزهات العسكرية الإسرائيلية قد ولى، بينما تحاول السياسة الرسمية المناورة في مساحة ضيقة جداً بين الواقعية المريرة والكرامة الوطنية.


يبقى الرهان الأكبر هو وعي المجتمع اللبناني بأن صراعه مع العدو الخارجي يجب ألا يتحول إلى صراع مع الذات، فالتاريخ يعلمنا أن القلاع لا تُهدم إلا من داخلها، والعدو يدرك تماماً أن ما عجز عن تحقيقه بالطائرات والمدافع، قد يحققه بفتنة طائفية تقتلع الجميع من جذورهم.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

لبنان بين خيار المقاومة.. وأوهام السلام تحت الركام

بقلم ياسر بركات