حوار الصم فوق رمال الخليج المتحركة

ياسر بركات
ياسر بركات

إن ما يجري الآن بين واشنطن وطهران ليس مجرد "أزمة دبلوماسية" بالمعنى التقليدي، بل هو صدام إرادات في لحظة تحول كوني. نحن اليوم، في ربيع عام 2026، نقف أمام مشهد يذكرنا بتعقيدات أزمة السويس أو صدمة النفط في السبعينيات، ولكن بأدوات القرن الحادي والعشرين.


التقارير الواردة من "البيت الأبيض"  في واشنطن، وما تهمس به كواليس السلطة في "شارع باستور" بطهران. والحقيقة التي تفرض نفسها هي أننا بصدد "حوار صم" يجري فوق فوهة بركان.


المعلومات المتواترة تشير إلى أن المفاوضات قد دخلت بالفعل مرحلة "الجمود السريري".  فالشروط المتبادلة قد تحولت إلى عوائق مستحيلة.
المطلب الأمريكي: تفكيك كامل لمنظومة التخصيب النووي ووقف تطوير الصواريخ الباليستية.


المطلب الإيراني: رفع كامل وشامل للحصار البحري عن الموانئ الإيرانية قبل أي حديث عن التفاصيل.


هنا، تبرز "معضلة المصداقية"؛ فواشنطن التي تعاني من تقلبات سياسية حادة، لا تستطيع تقديم ضمانات بعيدة المدى، وطهران التي تختبر حدود قوتها في مضيق هرمز، لا تجد حافزاً للتراجع بينما تشعر أن أوراق الضغط في يدها أصبحت أكثر فعالية من أي وقت مضى.
إيران: هل هو انقسام أم "توزيع أدوار"؟
تجارب الماضي وقراءة الحاضر، تقول أن هناك تيارين يتنازعان القرار داخل مؤسسة الحكم الإيرانية تحت رعاية المرشد الأعلى "مجتبى خامنئي":
تيار "الدولة": ويمثله الرئيس "مسعود بزشكيان"، وهو تيار يرى في التفاوض مخرجاً ضرورياً لفك شفرة الأزمة الإقتصادية الخانقة، ويحاول الحفاظ على شعرة معاوية مع الغرب.


تيار "الثورة": ويمثله "الحرس الثوري"، الذي يرى أن التنازل تحت التهديد هو إنتحار سياسي. هذا التيار يعتقد أن "حرب السفن" في خليج عمان والضغط على أسعار النفط العالمية هما الضمانة الوحيدة لبقاء النظام.


ورغم محاولات طهران الرسمية لنفي هذا الإنقسام، إلا أن تصريحات قادة الحرس الثوري التي تتحدث عن "فتح أبواب الجحيم"، تتقاطع بشكل حاد مع لغة الدبلوماسية "الهادئة" التي يحاول بزشكيان تسويقها للخارج. إنه صراع بين "البحث عن الإستقرار" و"البقاء من خلال الأزمة".


أما في الداخل الأمريكي، فإن الأزمة لم تعد مجرد ملف في وزارة الخارجية، بل أصبحت "رغيف خبز" فوق مائدة المواطن في أوهايو أو فلوريدا.

 التقارير الصادرة عن "بنك الإحتياطي الفيدرالي " تضعنا أمام أرقام مفزعة:
اقتصادياً: إغلاق مضيق هرمز أو حتى التلويح به، دفع أسعار النفط لتلامس حاجز الـ 110 دولار للبرميل، مع توقعات بوصولها إلى 160 دولار إذا إستمر الإنسداد لثلاثة فصول أخرى. هذا التضخم المستورد يضرب في قلب القوة الشرائية للأمريكيين، ويهدد خطط التعافي الإقتصادى التي يبشر بها ترامب.
سياسياً: يجد البيت الأبيض نفسه في "فخ المصداقية". 

فالتراجع عن التهديدات العسكرية يظهره بمظهر الضعيف أمام خصومه المحليين (الديمقراطيين)، والمضي قدماً في التصعيد العسكري يعني الدخول في "حرب مجهولة النهاية" لا يريدها الناخب الأمريكي الذي سئم حروب الشرق الأوسط.


إننا لسنا أمام نهاية اللعبة، بل أمام فصل جديد من فصول "صراع البقاء". المفاوضات لم تمت، لكنها "مُعلّقة في الهواء" بإنتظار من يرمش أولاً.
الحقيقة الكبرى التي يجب أن ندركها، هي أن الجغرافيا لا تتغير، بينما الرجال يتغيرون. إيران ستبقى جارة للخليج، وأمريكا ستبقى قوة تبحث عن مصالحها، وبين هذه وتلك، يظل العالم يحبس أنفاسه، خوفاً من أن يتحول "سوء الفهم" في مضيق هرمز إلى "إنفجار" لا يملك أحد كبحه.


إنها لحظة الحقيقة، حيث لم يعد ممكناً إدارة الأزمات بالمسكنات؛ فإما تسوية تاريخية تعيد صياغة موازين القوة، وإما مواجهة ستغير وجه الإقليم والعالم لسنوات طويلة قادمة.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

حوار الصم فوق رمال الخليج المتحركة

بقلم ياسر بركات