السلاح والسياسة في مهب العاصفة... قراءة في وثائق الإتفاق ومستقبل السلاح على الجبهة اللبنانية

الموجز

حين جلستُ أتابع ما يتدفق من عواصم القرار الدولي بين واشنطن وباريس، مروراً بدهاليز مجلس الأمن لم يكن ما يشغلني هو مجرد الحبر الذي كُتبت به بنود إتفاق وقف إطلاق النار الأخير بين لبنان وإسرائيل، وإنما كان يشغلني وكما علمتنا تجارب التاريخ البحث عن المسافة اللامرئية الفاصلة بين ما تقوله النصوص وما تفرضه الحقائق على الأرض ، إننا أمام مشهد بالغ التعقيد، يتداخل فيه السلاح بالسياسة، وتتقاطع فوق أشلائه إستراتيجيات القوى الكبرى مع حسابات الدم والنار في جنوب لبنان.

إن الإتفاق هو بمثابة هدنة قلقة أو إستراحة محارب في صراع وجودي ممتد، أعيدت صياغة قواعده تحت وطأة جولات شرسة من الصدام المسلح.

إن التقييم للإتفاق ينطلق من فرضية أساسية وهي أن إسرائيلعبر عملياتها العسكرية المتلاحقة قد تمكنت من إحداث تغيير جوهري في البيئة الإستراتيجية لشمالها، لكنها في المقابل لم تستطع محو قدرة المقاومة اللبنانية "حزب الله" بالكامل،

 

الإتفاق الأخير جاء محاطاً بضغوط هائلة؛ فالولايات المتحدة، التي رعت هذه المفاوضات عبر قنوات معقدة شملت أطرافاً إقليمية وحكومة بيروت برئاسة الرئيس جوزيف عون ورئيس وزرائه ، حاولت فرض معادلة جديدة تعتمد على تفعيل القرار الدولي 1701 بشكل صارم، مع إعطاء الجيش اللبناني دور الوارث الوحيد للمساحات التي يخليها السلاح غير الشرعي جنوب نهر الليطاني،

غير أن المعضلة تكمن في البند المقلق الذي تمسكت به تل أبيب، وهو حق التدخل والرد الذاتي في حال رصد أي تهديد وشيك ،وهنا يكمن لغم موقوت؛ هذا البند يحوّل الإتفاق من صيغة سلام مؤقت إلى صيغة إدارة أزمة تحت وطأة التهديد المستمر بالقصف، مما يعكس إنعدام الثقة بين الأطراف.

إن خطاب المقاومة وتصرفاتها الميدانية بعد الإتفاق يعكسان حالة من الإستيعاب السريع للصدمات الكبرى التي تلقتها طوال الفترة الماضية، بدءاً من إغتيال أمينها العام السابق السيد حسن نصر الله وعدد من القيادات التاريخية، وصولاً إلى الضربات التي إستهدفت شبكات الإتصال والبنية التحتية،

وأنقسم رد فعل المقاومة إلى مسارين:

 

المسار الإعلامي والمعنوي ركّز على تحويل التضحيات الجسيمة إلى أسطورة سياسية تدعم الإستمرارية، والتأكيد على أن الهيكل القيادي تحت إشراف الشيخ نعيم قاسم قد أُعيد ترميمه بسرعة، وأن القدرة الصاروخية ومسيرات الألياف الضوئية الحديثة ما زالت تشكل خط ردع لا يمكن الإستهانة به،

المسار العملياتي الميداني على الرغم من إعلان الإلتزام بالإتفاق لتجنيب البيئة الحاضنة والمجتمع اللبناني مزيداً من الدمار والنزوح، إلا أن المقاومة تعتبر معركتها دفاعاً عن وجودها، وبالتالي فإنها لا يمكن أن تقبل بالصيغ المطروحة لنزع السلاح بشكل طوعي،

إن المقاومة ، ترى في أي محاولة لنزع سلاحها بقرار حكومي قسري بمثابة إنتحار إستراتيجي، خصوصاً في ظل إستمرار الإنتهاكات الإسرائيلية الجوية والبرية، وتراجع ثقة الشارع الجنوبي في قدرة الجيش اللبناني بمفرده على التصدي لأي توغل إسرائيلي مستقبلي،

وهنا نأتي إلى السؤال الهام ما هو مستقبل المقاومة اللبنانية في ظل هذه التوازنات الجديدة؟

هناك ثلاثة أبعاد رئيسية تحدد ملامح هذا المستقبل

. التدخل المباشر للحرس الثوري الإيراني أولها

 

فالخسائر القيادية الفادحة التي منيت بها المقاومة دفعت طهران إلى التدخل بشكل مباشر وعميق لإعادة ترتيب الصفوف وتوجيه القرار العملياتي ، هذا الترابط العضوي يعني أن مستقبل المقاومة اللبنانية سيبقى رهناً بمسار المواجهة الشاملة أو التسوية الكبرى بين واشنطن وطهران، ولن يكون مجرد شأن محلي لبناني،

ثانياً أن قوة حزب الله لم تكن يوماً محصورة في ترسانته الصاروخية فحسب، بل في منظومته الموازية ، فبعد الأزمة المالية التي ضربت القطاع المصرفي اللبناني منذ عام 2020، نجح الحزب في بناء شركات وشبكات مالية مستقلة تماماً عن الدولة ،تؤهله لإعادة بناء ما تهدم، وتضمن إلتفاف كتلته الشعبية حوله في أي إستحقاقات سياسية قادمة، كالإنتخابات البلدية أو النيابية المخطط لها.

وثالثاً خطورة المراهنة على الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية الرسمية لملء الفراغ جنوب الليطاني ، فالجيش، المستنزف إقتصادياً والذي يُطلب منه الآن القيام بأدوار ضبط الأمن الداخلي والإغاثة، لا يملك الرغبة ولا القدرة العسكرية على الدخول في مواجهة أهلية مع المقاومة، وبالتالي، فإن أي ضغط أمريكي مفرط على الحكومة اللبنانية لنزع السلاح بالقوة قد يؤدي إلى تفجير الدولة من الداخل وإدخالها في أتون حرب أهلية جديدة، وهو سيناريو يخشاه الغرب نفسه.

 

 

إن هذا الإتفاق ليس سوى خط في الرمل رسمته الدبلوماسية الدولية لتلتقط فيه الأنفاس، بإنتظار ما ستسفر عنه التحولات الكبرى في الإقليم،

لقد أثبتت التجربة التاريخية في الصراع العربي الإسرائيلي أن السلاح لا ينتهي بقرار، وأن المقاومة عندما تتحول من تنظيم عسكري إلى حالة مجتمعية وثقافية مرتبطة بعقيدة سياسية وإقليمية، يصبح من المستحيل تصفيتها بضربة قاضية أو بنص مكتوب في واشنطن.

إن مستقبل المقاومة اللبنانية، يتأرجح بين ضغوط دولية غير مسبوقة لتفكيك بنيتها، وبين قدرة ذاتية هائلة على التكيف والترميم مستندة إلى عمق إقليمي ونظام مالي وإجتماعي محلي صلب ، والنتيجة الإستراتيجية الأهم أن الحرب قد تكون توقفت بموجب الإتفاق، لكن الصراع على صيغة لبنان ودوره في المواجهة الإقليمية قد بدأ فصلاً جديداً، لعلّه الأكثر تعقيداً وخطورة.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

السلاح والسياسة في مهب العاصفة... قراءة في وثائق الإتفاق ومستقبل السلاح على الجبهة اللبنانية

بقلم ياسر بركات