حبر الدم وغطرسة الملاك الحارس ... أسرار الرسائل المشفرة في ليلة مفاوضات بورجنستوك

الموجز

تستوقفني دائمًا في دراما الصراع الدولي تلك اللحظات الفاصلة التي تتحول فيها السياسة من ردهات المكاتب المغلقة إلى مسرح مكشوف، تصبح فيه الإشارة أبلغ من العبارة، والرمز أعمق أثرًا من المعاهدة المكتوبة ، وإذا رُفع الستار عما جرى في كواليس جولة المفاوضات الإيرانية الأمريكية الأخيرة برعاية باكستانية-قطرية في منتجع بورجنستوك بسويسرا، فإننا لا نكون بصدد مناقشة بنود تقنية حول تخصيب اليورانيوم أو خطوط الملاحة في مضيق هرمز فحسب، بل نحن أمام مواجهة كبرياء وصراع إرادات تُدار بأدوات القرن الحادي والعشرين وعقدة الجراح التاريخية الممتدة لنصف قرن.

 

هناك قرائن مذهلة تسمح لنا بإعادة تركيب المشهد، وقراءته ليس كأحداث معزولة، بل كـ سيمفونية ماكرة يعزف فيها كل طرف لحنه الخاص، محاولاً حشر الآخر في زاوية الضغط الأقصى،

تبدأ القصة من اللحظة التي هبطت فيها الطائرة الإيرانية التي تقل الوفد رفيع المستوى في مطار زيورخ ، لم يكن مشهد الهبوط عاديًا؛ إذ أكدت صور نشرها رئيس البرلمان الإيراني ورئيس الوفد المفاوض محمد باقر قاليباف، كتابةً بارزة باللغتين الفارسية والإنجليزية

على جسد الطائرة تحمل وسم، Minab168

، مقرونة بعبارة في ذكرى أطفال مدرسة ميناب

وهنا، يحق لنا أن نتساءل ما الذي يريده المفاوض الإيراني من تحويل طائرته الرسمية إلى جدارية عزاء وطني وثأر سياسي؟

إن طهران أرادت أن تقول للوفد الأمريكي قبل أن تبدأ الكلمات

نحن لا نأتي إليكم من موقع الإنكسار، بل نأتي محملين بآلام حرب 2025-2026، وضغط دماء 120 طفلاً ومعلمًا سقطوا في ضربة ميناب الصاروخية في فبراير الماضي ، نحن نتحرك وتلك الأرواح تراقبنا.

 

هذه الرسالة المكتوبة بالطلاء الأسود على معدن الطائرة كانت تهدف بوضوح إلى تحصين الوفد داخليًا ضد أي شبهة تقديم تنازلات مجانية، وإفهام الجانب الأمريكي أن كلفة الدم في المعادلة الإيرانية أعلى بكثير من كلفة العقوبات الإقتصادية.

وعندما دخل الوفدان إلى قاعة الإجتماعات، وقعت الحادثة البرتوكولية حيث رفض الوفد الإيراني مصافحة الوفد الأمريكي،

في عرف الدبلوماسية التقليدية، يُعد هذا السلوك خروجًا عن اللياقة، لكن في عرف الدبلوماسية الثورية الإيرانية، فإن المصافحة ليست مجرد تحية، بل هي صك إعتراف ونهاية لقطيعة عقائدية ، إن الوفد الإيراني تقصّد صياغة هذا الموقف ليوجه رسائل بالغة القسوة إلى نائب الرئيس الأمريكي وجناح الصقور في البيت الأبيض،

الرسالة الأولى إن توقيعنا على مذكرة التفاهم المؤقتة لوقف الأعمال العدائية لا يعني أن مياه العلاقات قد عادت لمجاريها، أو أننا غفرنا الحصار البحري.

الرسالة الثانية المفاوضات تجري عبروسطاء (باكستان وقطر) حتى وإن تلاقت العيون في قاعة واحدة، وأن طهران لن تمنح واشنطن صورة مجانية لـ التطبيع الدبلوماسي الذي يشتهيه الإعلام الأمريكي.

 

كان رفض المصافحة بمثابة حرب نفسية بديلة على الطاولة، تذكرنا بأجواء الحرب الباردة بين الشرق والغرب، حيث تقاس القوة بالقدرة على إبداء الجفاء في لقطات الضوء المباشر.

على الجانب الآخر من النهر، لم تتأخر الرسائل الأمريكية، وجاءت هذه المرة على لسان الرئيس الأمريكي نفسه في تصريحاته اليوم، والتي مثّلت ذروة البراجماتية الأمريكية الممزوجة بلغة القوة والنفوذ التجاري،

الرئيس الأمريكي، أطلق تصريحات بالغة الإثارة والخطورة؛ إذ علّق على التهديدات الإيرانية المتكررة بإغلاق مضيق هرمز على خلفية إستمرار الضربات الإسرائيلية في لبنان قائلاً ما معناه،

إن إيران لا تسيطر على مضيق هرمز، وحركة الملاحة مستمرة تحت مراقبتنا ، وإذا لم نصل إلى إتفاق نهائي وشامل خلال مهلة الـ 60 يوماً، فإن الولايات المتحدة ستفرض رسوماً أمريكية على السفن المارة في هذا الممر المائي الحيوي، كـ ثمن للخدمات التي يقدمها الجيش الأمريكي لدول الشرق الأوسط بإعتباره الملاك الحارس.

إننا هنا أمام عقلية سياسية أمريكية جديدة، تقرأ السياسة بلغة أرقام الأرباح والخسائر ، واشنطن عبر رئيسها توجه رسائل ثلاث لإيران وللعالم:

 

أولها نزع السيادة الميدانية والتأكيد على أن القوة العسكرية البحرية الأمريكية هي النافذ الوحيد في الممرات المائية، وأن اللعب بورقة النفط لم يعد مسموحاً به،

ثانياً تحويل دور الشرطي العالمي إلى شركة تأمين دولية تطلب ثمن حمايتها للمنطقة، وهو ضغط غير مباشر على طهران وعلى حلفائها الإقليميين،

ثالثاً سيف الوقت المسلط فمهلة الـ 60 يوماً لخفض تخصيب اليورانيوم ليست مفتوحة، والتراجع عن رفع الحصار المالي والنفطي جاهز للتطبيق فوراً عند أي إخلال إيراني بملف لبنان أو الملف النووي،

إن هذه الجولة من المفاوضات تتحرك فوق حقل ألغام شديد الحساسية ، مذكرة التفاهم الموقعة مؤخراً في يونيو 2026، والتي تقضي بوقف دائم للقتال على جميع الجبهات بما فيها جبهة لبنان حزب الله مقابل تسييل مليارات الدولارات المجمدة لإيران والسماح لها ببيع نفطها وتدشين صفقة شراء طائرات بوينج، هي في حقيقتها هدنة هشة وليست سلاماً مستداماً.

العقدة الكبرى التي قد تفجر المفاوضات في أي لحظة هي التلازم الدبلوماسي بين مستويين

 

المستوى الإيراني يرى أن رفع الحصار وحرية بيع النفط حق مكتسب بمجرد توقيع التهدئة المؤقتة،

المستوى الأمريكي يربط تفكيك العقوبات كلياً بـ الأداء الإيراني الشامل، وتحديداً مدى قدرة طهران على كبح جماح حلفائها في جنوب لبنان، وتخفيف مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة عالية تحت إشراف وكالة الطاقة الذرية.

إن هذه المفاوضات، من وسم الطائرة رقم (168) إلى تصريحات الملاك الحارس للرئيس الأمريكي، تذكرني بلعبة شطرنج معقدة تُدار فوق برميل بارود ، إيران تتقن الصبر الإستراتيجي وتحويل جراحها إلى أوراق ضغط سياسي وتثبيت لأقدامها الإقليمية، بينما الإدارة الأمريكية الحالية تدير الأزمة بنفَس هجومي، يمزج العضلات العسكرية بالصفقات الإقتصادية المشروطة بجدول زمني خانق،

المشهد يظل مفتوحاً على كل الإحتمالات؛ فإما أن تفلح الدبلوماسية الماكرة في صياغة إتفاق تاريخي يغير وجه الشرق الأوسط وينهي تداعيات حرب العامين الماضيين، أو أن الكبرياء المتبادل ورفض المصافحات سيقودان الطرفين، عند أول شرارة في مضيق هرمز أو هضاب جنوب لبنان، إلى العودة مجدداً إلى لغة الصواريخ والمدافع.. وحينها لن تجد الدبلوماسية مكاناً تُكتب فيه رسائلها سوى على حطام الطائرات.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

حبر الدم وغطرسة الملاك الحارس ... أسرار الرسائل المشفرة في ليلة مفاوضات بورجنستوك

بقلم ياسر بركات