عربدة القوة وعجز الضمير... درس الدم من قلنديا إلى جنوب لبنان

الموجز


ثمة لحظات تاريخية فارقة لا تجامل، ولا تقبل التجميل، بل تضع الفكرة الإنسانية برمتها أمام إختبار الصدق الأخير، وما نشهده اليوم من إستمرار الهيجان العسكري الإسرائيلي منذ القصف المتواصل لقطاع غزة، وتدمير أزقتها فوق رؤوس ساكنيها، وإستهداف مرافقها الطبية، إلى إعلان القصف المكثف على الجنوب اللبناني، وإقتحام مخيم قلنديا في الضفة الغربية ليس مجرد مشاهد من جولة تصعيد إضافية في صراع ممتد، بل هو تعبير عن أزمة بنيوية أخلاقية وسياسية تعصف بالنظام الدولي الكوني، وتضع المنطقة بأسرها على شفا الهاوية.

إذا حاولنا تفكيك هذا المشهد بعيداً عن أشكال الخطاب العاطفي، فإننا نجد أنفسنا أمام حالة فريدة من الإستثناء السياسي والعسكري؛ حالة من العربدة الميدانية التي تجاوزت كافة القواعد والخطوط التي جرى إتفاق المجتمع الدولي عليها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

إن إستهداف القطاع الصحي في غزة والذي تحول فيه بكاء المرضى وصراخ الأطباء إلى نداء إستغاثة أخير يخترق جدران الصمت لم يعد يُفسر كمجرد أضرار جانبية للعمليات العسكرية، بل كإستراتيجية تفكيك شاملة لمقومات الحياة الأساسية، وفي الوقت ذاته، جاء توسيع خريطة النيران ليشمل الجنوب اللبناني، بالتوازي مع عمليات الإقتحام اليومية لمخيمات الضفة الغربية وفي مقدمتها مخيم قلنديا، ليعكس قناعة لدى صانع القرار في تل أبيب بأن البيئة الإقليمية والدولية تسمح بممارسة القوة الغاشمة بلا قيود وبلا أثمان سياسية أو قانونية.

إن المعضلة الكبرى في هذه اللحظة لا تكمن فقط في بطش القوة، بل في مظلة الصمت والتواطؤ الذي يغطي هذا البطش ،إن الضمير العالمي، الذي طالما تغنى بحقوق الإنسان والمواثيق الدولية وبنود إتفاقيات جنيف، يقف اليوم في حالة عجز شلل تامة، إن لم يكن في حالة نفاق مكشوف.

تقف القوى الكبرى موقف المتفرج الذي يكتفي ببيانات القلق الشديد والدعوة إلى ضبط النفس، بينما تدفق السلاح والمساعدات مستمر دون إنقطاع ، هذا التناقض الصارخ يجعل القواعد التي بني عليها النظام الدولي منذ تأسيس الأمم المتحدة مجرد نصوص بلا روح، ويؤكد للمنطقة بأسرها أن القانون الدولي لا يتم تطبيقه إلا عندما يتوافق مع مصالح القوى النافذة، بينما يُعطل تماماً عندما يتعلق الأمر بالدم العربي.

 

أما على الجانب الآخر، فإن المشهد الإقليمي يبدو أكثر إيلاماً ،إن حالة العجز والصمت التي خيمت على العواصم العربية والإسلامية لا يمكن قراءتها إلا كعلامة على تآكل منظومة الأمن القومي العربي وشلل إرادتها السياسية ، لقد تحول الفاعل العربي من طرف يفرض معادلاته ويحمي مجاله الحيوي، إلى ممتنع عن الفعل أو مكتفٍ بأدوار الوساطة وتقديم المساعدات الإغاثية.

هذا التراجع لم يترك فراغاً فحسب، بل أغرى القوة الإسرائيلية بالمزيد من التمدد وتجاوز كافة الخطوط الحمراء، إعتقاداً منها أن الكلفة السياسية لأي تصعيد قد بلغت حدها الأدنى في ظل غياب موقف إقليمي موحد وقادر على إستخدام أوراق الضغط الحقيقية، سواء كانت إقتصادية أو سياسية أو دبلوماسية.

إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم على كل ذي عقل وإرادة ليس مجرد سؤال أخلاقي عن متى ينتهي الظلم؟، بل هو سؤال إستراتيجي وسياسي بإمتياز، إلى متى يمكن لإستقرار الإقليم وأمن العالم أن يتحملا هذا القدر من الطغيان والإنكشاف؟.

التاريخ يخبرنا بيقين لا يقبل الشك أن إفراط القوة وإستعلاءها لا يمكن أن يبنيا أمناً مستداماً لأي طرف، وإن غياب العدالة المطلقة وإستمرار سحق حقوق الشعوب لا ينتجان إلا المزيد من الإنفجارات المتتالية التي لن تقف شرارتها عند حدود غزة أو الجنوب اللبناني أو الضفة الغربية، بل ستطال شظاياها عروشاً ومصالح وإستقرارات إمتدت لسنوات طويلة.

إن اللحظة الحالية تشكل مفترق طرق حاسم؛ إما أن تستعيد الأمة إرادتها ويستفيق العالم من غفلتة الأخلاقية لإعادة ترتيب الأوراق وفرض حاد للعدالة، وإما أن نترك المنطقة للإنزلاق نحو فوضى شاملة لن ينجو منها أحد، إن الدموع التي تسكب اليوم في مستشفيات غزة ومخيمات الضفة والجنوب اللبناني ليست مجرد شواهد على المأساة، بل هي الوقود الذي يشكل وعي أجيال قادمة لن تقبل بحالة الإستعباد والإستهانة بكرامتها الإنسانية.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

عربدة القوة وعجز الضمير... درس الدم من قلنديا إلى جنوب لبنان

بقلم ياسر بركات