تسوية الضرورة ومأزق السلاح ... هل يطوي الإتفاق الثلاثي زمن المقاومة ويفتح عصر السلام الأمني في لبنان؟

الموجز

المشهد العربي في هذه اللحظة الراهنة من صيف عام 2026، يشعرك بأنك تقف أمام واحدة من تلك اللحظات الفاصلة التي يحب المؤرخون تسميتها بـ منعطفات الطرق ، إن التوقيع على الإتفاق الإطاري الثلاثي في واشنطن بين الولايات المتحدة، وإسرائيل، والجمهورية اللبنانية، ليس مجرد ورقة دبلوماسية أضيفت إلى أرشيف الخارجية الأمريكية، بل هو زلزال سياسي وإستراتيجي يعيد رسم الخرائط، ويعيد صياغة مفهوم الدولة والمقاومة في المشرق العربي كله.

 

 

إن هذا الإتفاق وُلد من رحم مواجهة دموية طاحنة بدأت في مارس الماضي، عقب الحسابات المعقدة التي تلت التدخلات الإقليمية ومقتل القيادة الإيرانية العليا ، هنا، نجد أنفسنا أمام التساؤل الجوهري: ماذا يعني هذا الإتفاق لحزب الله؟

الإتفاق هو محاولة ممنهجة لتفكيك البيئة الإستراتيجية للحزب،إن تصريحات المبعوث الإسرائيلي في واشنطن، يحيئيل ليتر، بأن إيران خرجت، وحزب الله خرج، وطريق السلام فتح ، تعكس رغبة جامحة في تصفية النفوذ الإقليمي لطهران على شواطئ المتوسط،

لكن الأمور ليست بهذه البساطة الميكانيكية ، حزب الله ليس مجرد فصيل مسلح يمكن حله بجرّة قلم؛ إنه بنية عقائدية، وإجتماعية، وعسكرية متجذرة في التربة اللبنانية،

الإتفاق يتحدث بذكاءً عن تسليم تدريجي للأمن للجيش اللبناني في مناطق محددة ،

وقد يضطرالحزب ، تحت ضغط الإنهاك العسكري اللبناني والإتفاقات الإقليمية المدعومة من طهران نفسها لإنهاء الصراع الشامل، إلى القبول بصيغة الإنكفاء السلوكي أو إخفاء المظاهر المسلحة في الجنوب، لكن تسليم السلاح بالكامل سيواجه بمقاومة شرسة داخلياً، معتبراً إياه ضمانة وجودية، ما لم تكن هناك تسوية داخلية كبرى تعيد صياغة النظام اللبناني بأكمله،

إذا قرأنا النص الإطاري المنشور، نجد عبارات لافتة مثل إنهاء أي حالة حرب بينهما بشكل رسمي، وإنشاء مجموعات عمل لصياغة إتفاق سلام وأمن شامل وكامل،

وهذا يعنى أن لبنان، كدولة ومؤسسات رسمية، تخطو الخطوة الأولى والأساسية نحو السلام التعاقدي مع إسرائيل تحت المظلة الأمريكية لرئيسها دونالد ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو،

ومع ذلك فهذا إتفاق إطاري وليس معاهدة نهائية ما جرى هو إعلان نوايا ملزم يضع خريطة طريق،

لكن توقيع إتفاقية سلام نهائية على غرار كامب ديفيد أو أبراهام يحتاج إلى إجماع وطني لبناني، وهو أمر شبه مستحيل في ظل الإنقسام الطائفي الحالي ، لذلك من المتوقع أن يسير لبنان في مسار السلام الأمني والحدودي النفعي كحاجة ماسة لإعادة الإعمار والإنقاذ الإقتصادي، بإنتظار نضوج الظروف الإقليمية.

إن أخطر ما جاء في نصوص هذا الإتفاق، هو البند المتعلق بـ إعادة إحتكار الدولة اللبنانية لإستخدام القوة،

على مدى عقود، عاش لبنان في ظل صيغة الدولة والدويلة، أو ما كان يُعرف بشرعية الجيش والشعب والمقاومة ، هذا الإتفاق يأتي ليعلن، وبصياغة قانونية صارمة، سقوط هذه الصيغة ، الإتفاق ينص على أن الحكومة اللبنانية هي صاحبة السلطة السيادية الحصرية في إعلان الحرب والسلام،

وهذا سيفتح الباب أمام تدفق المساعدات الدولية، ومشاريع إعادة الإعمار المدعومة عربياً ودولياً، وإعطاء الجيش اللبناني  الشرعية الكاملة لبسط سلطته، بدعم تكنولوجي ومالي أمريكي وضمانات بإنسحاب إسرائيلي تدريجي للخط الأصفر،

وجه المخاطرة ،إذا حاولت الدولة، أو أُجبرت تحت الضغط الأمريكي والإسرائيلي، على إنتزاع السلاح بالقوة دون توافق سياسي، فإن ذلك قد يدفع البلاد نحو شفا حرب أهلية جديدة أو شلل مؤسساتي كامل، حيث يمتلك حزب الله وحلفاؤه أوراق ضغط قوية داخل البرلمان والمجتمع،

إن الإتفاق الإطاري الثلاثي ليس نهاية المطاف، بل هو بداية البداية، إننا أمام هندسة أمريكية جديدة للمنطقة، تسعى لتفكيك محور المقاومة من بوابته اللبنانية، مستغلة لحظة إنهاك عسكري وضغط إقتصادي غير مسبوق.

إن التحدي الحقيقي ليس في الحبر الذي كُتب به الإتفاق في واشنطن، بل في دماء وتوازنات الأرض في بيروت وجنوب الصخر، فهل ينجح لبنان في العبور عبر هذا الجسر الضيق نحو إستعادة دولته، أم أن تفاصيل الملحق الأمني ونزع السلاح ستتحول إلى ألغام تفجر الجسر والعبور معاً ؟ الأيام وحدها تملك الإجابة، لكن الثابت الوحيد.. أن شرقاً أوسطياً جديداً يولد من بين الركام.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

تسوية الضرورة ومأزق السلاح ... هل يطوي الإتفاق الثلاثي زمن المقاومة ويفتح عصر السلام الأمني في لبنان؟

بقلم ياسر بركات