أوهام الحلف الموعود وتحديات الواقع... المأساة الفسطينية وأوهام الدفاع المشترك

الموجز

تصدرت المشهد السياسي تصريحاتُ السفير الباكستاني في موسكو، فيصل نياز ترمذي، التي أكد فيها أن إسلام آباد لا تعارض إنضمام إيران ومصر إلى إتفاقية الدفاع المشترك التي وُقعت مؤخراً في مكة المكرمة وتجمع السعودية وتركيا وباكستان ،هذه التصريحات فتحت الباب مجدداً أمام جدل أمني وإستراتيجي واسع يتجاوز حدود الألفاظ والدبلوماسية الأنيقة ليصطدم بالحقيقة الميدانية القاسية في الشرق الأوسط.

بينما تدور النقاشات في الصالونات الدبلوماسية وعواصم القرار حول شروط إنضمام هذا البلد الإسلامي أو ذاك، وحول المبادرات والتحفظات المتبادلة بين المحاور الإقليمية، تظل الحقيقة الفاقعة أن العالم العربي والإسلامي يقف عاجزاً عن وقف ما يجري من تجريف إستراتيجي وإنساني كامل لسيادته وكرامة شعوبه.

إسرائيل إستطاعت الإستيلاء على نحو 70% من مساحة قطاع غزة، مخلّفةً وراءها ملايين الأطنان من الركام، يحمل تحت طياته أجساد آلاف الضحايا وعائلاتٍ كُتب لها المحو الكامل من السجلات المدنية.

تتزامن هذه التطورات الميدانية مع تحركات متسارعة على خطوط الجغرافيا السياسية، تمثلت في سيطرة الإحتلال على مساحات شاسعة من أراضي الضفة الغربية ، فضلاً عن تحركات ميدانية وضغوط أمنية تمتد إلى خطوط التماس في جنوب لبنان والمرتفعات السورية.

إن المشهد لا يعبر عن مجرد تفوق عسكري عابر، بل يعكس خللاً في التوازن الإستراتيجي الشامل في المنطقة؛ حيث تُدار الصراعات وفق أدوات فرض الأمر الواقع، بينما تكتفي القوى الإقليمية العظمى في العالم الإسلامي بصياغة البيانات وتدارس الإتفاقيات الشكلية.

في ظل هذا المشهد القاسي ،هل تملك الدول العربية والإسلامية المقومات الفعلية لتشكيل قوة ردع حقيقية مثل إتفاقية مكة ، أم أن الجغرافيا السياسية للمنطقة ستظل محكومة بتضارب المصالح؟.

تُظهر التحليلات وجود تباينات جذرية بين مكونات المشهد،

تتبنى طهران إستراتيجية الدفاع المتقدم والإعتماد على الفصائل الحليفة والتمدد النفوذي، وهو ما يتصادم في كثير من الأحيان مع الرؤية الخليجية الداعية للتهدئة وإستقرار الملاحة وسلاسل الإمداد.

ترتبط أنقرة بعلاقات إستراتيجية معقدة وشبكة مصالح متداخلة مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، مما يجعل إلتزاماتها الدفاعية خارج نطاق الحلف خاضعة لتوازنات دقيقة للغاية.

على الرغم من الثقل العسكري والنووي الباكستاني، إلا أن إسلام آباد تظل مقيدة بالأزمات الإقتصادية الداخلية والتركيز الجيوستراتيجي الدائم على أمن حدودها الشرقية مع الهند.

إن معضلة النظام الدفاعي العربي والإسلامي لا تكمن في نقص الموارد العسكرية أو المادية، بل في غياب الإرادة السياسية المشتركة وتحديد العدو الإستراتيجي الموحد.

بناء حلف أمني فعال يتطلب الإنتقال من مرحلة التصريحات السياسية المتبادلة إلى مرحلة العمل المؤسسي الراسخ، والذي يتطلب تجاوز عقبات أساسية،

منها التباين في تقييم التهديدات، تختلف أولويات الأمن القومي بين دولة ترى التهديد الأساسي في التمدد الصهيوني وتجريف الأراضي، وأخرى تراه في الفصائل المسلحة من غير الدول، وثالثة تراه في الأزمات الإقتصادية والإضطرابات الداخلية.

كذلك الإرتهان بالمنظومة الدولية ، لا تزال معظم الدول المعنية تعتمد بشكل وثيق على شبكات تسليح وأنظمة أمنية وتكنولوجية غربية، مما يحد من إستقلالية القرار العسكري في الأزمات الكبرى.

أيضاً غياب العقيدة العسكرية الموحدة ، تتفاوت العقائد العسكرية للجيوش الإقليمية بين المفهوم الغربي والمفهوم الشرقي، إضافة إلى تباين مستويات التدريب والجاهزية والتوافق التكنولوجي.

إن إستعادة الفعل التأثيري للعالمين العربي والإسلامي لا يمكن أن تتحقق عبر إتفاقيات ورقية تُستدعى وقت الأزمات، بل تتطلب إعادة بناء شاملة للمفهوم القومي للأمن الإقليمي.

وصياغة مفهوم أمني شامل ،يعنى أن يتجاوز البعد العسكري المباشر ليرتكز على التكامل الإقتصادي، والأمن الغذائي، والأمن التكنولوجي.

وإستقلالية التصنيع العسكري، بتقليل الإعتماد على سلاسل التوريد الخارجية وإنشاء صناعات دفاعية مشتركة قادرة على تلبية الإحتياجات الأساسية لردع أي عدوان.

وتغليب لغة الحوار وتصفية الخلافات السياسية والأيديولوجية بين العواصم الكبرى (القاهرة، الرياض، أنقرة، طهران، إسلام آباد) لضمان توحيد بوصلة الصراع.

إن المأساة التاريخية التي تشهدها المنطقة اليوم تتجاوز كونها مجرد إحصائيات للمباني المهدمة أو الأراضي المغتصبة؛ إنها إمتحان كاشف لمدى قدرة هذه الأمة على حماية وجودها وشعوبها، إن أي حلف دفاعي لا يتأسس على رؤية إستراتيجية شجاعة تستهدف حماية الإنسان وتثبيت السيادة سيبقى مجرد صدى صوت في فراغ التاريخ، بينما يستمر الواقع الميداني في التغير لصالح من يملكون القوة والمبادرة على الأرض.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

أوهام الحلف الموعود وتحديات الواقع... المأساة الفسطينية وأوهام الدفاع المشترك

بقلم ياسر بركات