من الرماد الإيراني إلى سماء الأطلسي ... سر عودة الشبح الأمريكية لتركيا
دعونا نبتعد قليلاً عن ضجيج البيانات الرسمية، وعن بروتوكولات السجّاد الأحمر التي فُرِشت في العاصمة التركية أنقرة، ولنحاول معاً أن ننفذ إلى عمق المشهد ، إن الجغرافيا السياسية، لا تصنعها النوايا الحسنة، بل تصنعها حسابات القوة المجرّدة وموازين المصالح الإستراتيجية.
نحن اليوم أمام لحظة فارقة من لحظات التحول الإستراتيجي؛ إذ ينعقد مؤتمر قمة حلف شمال الأطلسي الناتو في العاصمة التركية، وبحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، وهي قمة لا يمكن قراءتها بمعزل عن المناخ العام الذي يظلل النظام الدولي، وتحديداً بعد الإنعطاف الحاد الذي تلا الخلاف الأمريكي الإيراني العميق والصدام الأخير حول حرب إيران ، في هذه الأجواء، لم تعد أنقرة مجرد عاصمة تستضيف وفوداً، بل تحولت إلى مركز ثقل في معادلة إقليمية بالغة التعقيد، يتداخل فيها السياسي بالعسكري، وتُعاد فيها صياغة خرائط النفوذ،
المشهد الأول الذي يستوقف المراقب في دهاليز هذه القمة، هو ذلك اللقاء الثنائي الذي جمع الرئيسين دونالد ترامب ورجب طيب أردوغان ، إن لغة الجسد، وعبارات الثناء المتبادل والمديح المشترك ، لم تكن مجرد مجاملات دبلوماسية عابرة؛ بل هي إنعكاس لـ كيمياء سياسية خاصة تحكم علاقة الرجلين، تقوم في جوهرها على الإعتراف المتبادل بـ منطق القوة والصفقات،
ترامب، بتركيبته التي تميل إلى عقد التفاهمات المباشرة بعيداً عن قيود المؤسسات التقليدية، وجد في أردوغان شريكاً قادراً على الحسم؛ وأردوغان، بطموحه الإقليمي المعروف، عرف كيف يقرأ عقلية التاجر والمفاوض في البيت الأبيض ، هذا المديح المتبادل هو في حقيقته غطاء سياسي لـ مقايضة كبرى تجري تحت الطاولة وفوقها، حيث يرى ترامب أن تركيا أظهرت ولاءً من نوع خاص في ملفات حيوية، مقارنة بحلفاء أوروبيين آخرين لا يزال يوبخهم علانية لعدم رفع ميزانياتهم الدفاعية.
هناك إجماع في واشنطن ولندن، غير معلن على حقيقة مثيرة إن تركيا هي الرابح الأكبر من نتائج الصدام الأمريكي الإيراني الأخير،
كيف حدث ذلك؟ الإجابة تكمن في نظرية الفراغ وتوازن القوى، عندما إندلع الخلاف والصدام حول إيران، إستنزفت هذه الحرب طاقات أطراف إقليمية ودولية متعددة، ووضعت حلفاء أمريكا التقليديين في الشرق الأوسط في حالة إستنفار ودفاع ، هنا، تحركت الدبلوماسية التركية بهدوء لاعبي الشطرنج،
لملء الفراغ الإقليمي لتراجع القوة والنفوذ الإيراني في بؤر التوتر نتيجة الضغط العسكري والإقتصادي الأمريكي، فتقدمت تركيا لملء هذا الفراغ في شمال سوريا والعراق، معززةً نفوذها الجيوسياسي،
وتحولت أنقرة إلى صمام أمان وحيد وبوابة إتصال لا غنى عنها للغرب بإتجاه الشرق، مستغلةً موقعها الذي يربط خطوط إمدادات الطاقة وطرق التجارة الدولية،
كما وظفت تركيا حاجة الناتو الملحّة لتأمين جبهته الجنوبية والشرقية، لتفرض شروطها وتطالب بأثمان باهظة لقاء مواقفها.
ولعل الحدث الأبرز الذي زلزل أروقة القمة، وجاءت تفاصيله صادمة ، هو إعلان الرئيس ترامب عن التوجه لرفع عقوبات كاتسا عن تركيا والنظر بجدية لإعادتها إلى برنامج الطائرات المقاتلة الشبحية من الجيل الخامس، F-35$
هنا يثور السؤال الجوهري ما هو السر وراء هذا التحول الدراماتيكي، بعد سنوات من الطرد التركي إثر صفقة الصواريخ الروسية؟ S-400
أدرك البنتاجون أن إستبعاد تركيا التي كانت تصنع أجزاء حيوية من جسم الطائرة عقّد سلاسل الإمداد ورفع تكلفة الإنتاج؛ والآن، مع تصاعد النزاعات الدولية، يحتاج الحلف إلى تسريع عجلة الإنتاج الحربي، وتركيا تملك قاعدة صناعية وعسكرية ضخمة وضعت بتصرف مشاريع الحلف الخمسة الأخيرة،
وأنقرة وافقت ضمنياً على تجميد منظومة الصواريخ الروسية فى مخازن سرية دون تفعيلها، مقابل الحصول على السيادة الجوية ،
رغماً عن التحذيرات والإعتراضات العلنية التي أبداها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من أن هذه الخطوة ستخل بـ التفوق الجوي الإسرائيلي في المنطقة، إلا أن إدارة ترامب فضّلت حسابات المصلحة ؛ فالولايات المتحدة تحتاج تركيا قوية في مواجهة روسيا وإيران معاً، حتى لو أزعج ذلك حلفاءها الآخرين،
لكن إلى أين يمضي حلف الناتو في ظل هذه التحولات ؟
إن الحلف القديم الذي تأسس عام 1949 على عقيدة الدفاع المشترك والتضامن الأيديولوجي لم يعد موجوداً؛ نحن اليوم أمام ناتو جديد تُكتب دساتيره بلغة المحاسبة والصفقات،
ترامب فرض واقعاً جديداً، حيث أجبر الدول الأوروبية على رفع إنفاقها الدفاعي ليتجاوز أرقاماً قياسية، محولاً الحلف إلى ما يشبه شركة تأمين دفاعية يدفع فيها المشاركون أقساطاً تتناسب مع حجم الحماية التي يتلقونها ، وفي هذا الناتو الجديد، ستكون للأنظمة البراجماتية القوية مثل تركيا حظوة أكبر من الدول التي تعتمد على الخطابات السياسية التقليدية ، مستقبل الحلف بات رهناً بالقدرة على التكيف مع عالم متعدد الأقطاب، تتداخل فيه الصراعات، وتصبح فيه السيطرة على المضائق، والبحار، وخطوط الغاز، هي المحدد الأساسي للبقاء.
إن قمة أنقرة لم تكن مجرد مؤتمر دوري، بل كانت إعلاناً صريحاً عن ولادة واقع إقليمي جديد ، واقعٌ عرفت فيه تركيا كيف تخرج من رماد الأزمات المحيطة بها ، بينما يقف العالم مترقباً لمعرفة كيف سيدير ترامب دفة الحلف الأطلسي في قادم الأيام وسط أمواج دولية عاتية لا ترحم الضعفاء.