تزييف لم يعد يمر.. رئيس الوزراء الإسرائيلي يواجه عواقب إنهيار السردية في عقر دار حليفه الأكبر

الموجز

عندما نلتقط خيوط المشهد السياسي الراهن، ونحاول قراءة ما يجري على المسرح الدولي بعيون تُدرك عمق التاريخ وحركة التوازنات الجيوسياسية، لا يسعنا إلا أن نتوقف طويلاً أمام المشهد المرتقب يوم الثلاثاء القادم داخل البيت الأبيض؛ حيث يلتقي الرئيس الأمريكي برئيس الوزراء الإسرائيلي،

هذا اللقاء ليس مجرد موعد في جدول أعمال دبلوماسي بروتوكولي، ولا هو مجرد إجتماع إداري للتباحث في أزمات الشرق الأوسط المتفجرة؛ بل هو، في جوهره وقيمته التحليلية، لحظة فارقة في تاريخ العلاقة العضوية بين واشنطن وتل أبيب،إنه إجتماع ينعقد في ظل زلزال فكري وسياسي غير مسبوق يضرب الداخل الأمريكي، ألا وهو الإنهيار والتفكك المتسارع للرواية والسردية الإسرائيلية التي إحتكرت الفضاء الإعلامي والسياسي الأمريكي .

 

إذا عدنا بالذاكرة إلى العقود الماضية، كانت زيارات رؤساء الوزارة الإسرائيليين إلى واشنطن تُشبه إستعراض القوةوالسيطرة الكاملة على القرار السياسي في الكابيتول هيل والمكتب البيضاوي ، كان الزائر الإسرائيلي يدخل واشنطن وهو يتسلح بشرعية إعلامية وشعبية أمريكية شُيّدت على مدى عقود من الدعاية المكثفة،

لكن إجتماع الثلاثاء القادم يجري في ظل ظروف مغايرة تماماً؛ فالرئيس الأمريكي يجد نفسه اليوم محاصراً بإستحقاقات سياسية وشعبية معقدة ، الإدارة الأمريكية تشعر، وللمرة الأولى بهذا القدر من الوضوح، إن الإلتزام المطلق بالسياسات الإسرائيلية لم يعد مجرد شيك على بياض بل أصبح عبئاً إستراتيجياً وأخلاقياً ثقيلاً يهدد المكتسبات الإنتخابية، ويفصم الصلة بين صناع القرار في واشنطن والقواعد الشعبية الشابة التي باتت ترى الأمور بمنظار مختلف تماماً، فالقوة العسكرية قد تحسم معركة على الأرض، لكنها لا تستطيع أبداً بناء شرعية دائمة في عقول البشر إذا سقطت الرواية الأخلاقية،

لقد بنيت السردية الإسرائيلية داخل المجتمع الأمريكي تاريخياً على ثلاث دعائم رئيسية،

صورة الواحة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط،

مظلومية الضحية التي تحارب للوجود،

التماهي الكامل مع القيم الأخلاقية والإنسانية الغربية،

 

لكن ما حدث خلال الأشهر الأخيرة  هو إنكشاف هيكلي وشامل لهذه السردية،

لم يعد الإعلام الغربي كما كان في حرب أكتوبر 1973 أو حرب لبنان 1982؛ فقد تآكل الجدار الزجاجي الذي كان يحجب الحقائق، بدأ الحديث صراحة عن شبهات التضليل الممنهج والتزييف الإعلامي الذي مارسته المؤسسات العسكرية والسياسية الإسرائيلية،

الشارع الأمريكي، وبخاصة في أوساط النخب الأكاديمية والشباب في الجامعات الأمريكية المرموقة يخوض اليوم ما يمكن تسميته بـ حركة الإستفاقة الجيلية،

لقد أثبتت التحقيقات أن كثيراً من الروايات الأولية التي ضُخت في وسائل الإعلام الغربية لإعادة رسم الوعي العام كانت إما مبالغاً فيها أو مفتعلة ومفتقرة للعدالة والإسناد الواقعي ، وعندما إصطدمت تلك الروايات بـ الوثائق الميدانية، والبث المباشر عبر وسائل التواصل الإجتماعي، وتقارير المنظمات الدولية والأممية، تداعت الشاشة البرّاقة التي كانت تُغلّف الرواية الإسرائيلية.

هذا الإنكشاف لم ينعكس فقط في المظاهرات الحاشدة داخل المدن الأمريكية، بل إمتد إلى عمق المؤسسات المؤسسة للقرار،

 

تغيّرت النبرة داخل الكونجرس وظهرت أصوات جادة ومؤثرة تُطالب بمساءلة الدعم العسكري وشروطه،

بل أصبح هناك إنقسام داخل وسائل الإعلام التقليدية لم يعد كبار المحررين والكتّاب القادرين على التغطية على التجاوزات الصريحة دون أن يفقدوا ما تبقى من مصداقيتهم لدى الجمهور،

إن الأجيال الشابة في أمريكا لم تعد تشتري الأسطورة الإسرائيلية بل باتت تتعاطف مع المظلومية الفلسطينية وتطالب بالعدالة والحق في تقرير المصير.

حين يجلس الرئيس الأمريكي قبالة ضيفه الإسرائيلي يوم الثلاثاء، ستقف على الطاولة جبال من الملفات المعقدة ، لن تكون المحادثات مجرد مراجعة للخطط العسكرية أو الترتيبات الأمنية في الإقليم، بل ستكون مواجهة مع الحقيقة القاسية،

إن الدعم الأمريكي لإسرائيل لم يعد قضية حتمية فوق الشبهات داخل الداخل الأمريكي، بل أصبح ملفاً نزاعياً شائكاً يهدد التماسك الداخلي للحزبين الكبيرين، ويضر بالصورة الأخلاقية والمكانة الدولية للولايات المتحدة في العالم،

سيكون على الجانب الإسرائيلي أن يدرك أن آلة الهاسبارا القديمة لم تعد قادرة على إعادة ترميم ما إنكسر في الوعي الأمريكي؛ فالأدوات التي نجحت في القرن العشرين أصبحت عاجزة كلياً أمام عصر التدفق المعلوماتي المفتوح في القرن الحادي والعشرين،

نحن أمام تحول تاريخي وبنيوي في صناعة الوعي الأمريكي،

لقاء الثلاثاء في البيت الأبيض لن يُقاس بصدور بيان صحفي مشترك يصوغ عبارات الدعم التقليدية، بل سيُقاس بالمسافة الحقيقية التي باتت تفصل بين إدراك واشنطن لمصالحها القومية وبين مغامرات القيادة الإسرائيلية ، لقد إنكسرت إحتكارية السردية، وسقطت الأسطورة التي ظلت عقوداً غير قابلة للنقد، ودخلت المنطقة والعالم في مرحلة جديدة يكون فيها للحقائق الميدانية والوعي الشعبي كلمته الحاسمة.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

تزييف لم يعد يمر.. رئيس الوزراء الإسرائيلي يواجه عواقب إنهيار السردية في عقر دار حليفه الأكبر

بقلم ياسر بركات