إنكشاف الأقنعة ... حين يُختبر الضمير العالمي على ركام غزة
في هذه اللحظة بالذات، ونحن نرقب تفكك المنظومة الأخلاقية الدولية، يقف المتابع أمام مشهد لا يملك فيه إلا أن يستحضر أدوات التحليل الباردة، ليقيس الفجوة الهائلة بين ما يدعيه العالم الحر من قيم، وبين ما يجري على الأرض من مآسٍ.
خرج علينا وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بتصريح لا يمكن لعين خبيرة أن تمر عليه مرور الكرام، تصريح ينضح بقدر من الصلف والغرور العسكري الذي يعيد إلى الأذهان أسوأ لحظات التجبر السياسي في التاريخ ، قال الرجل متباهياً، وفي عبارة تستدعي الوقوف الطويل أمام أبعادها الإستراتيجية والإنسانية: لقد دمرنا غزة فوق الأرض وتحتها... إنها لم تعد موجودة.
إن هذه العبارة، بكل ما تحمله من دلالات الفناء والتطهير، ليست مجرد زلة لسان في مؤتمر صحفي عابر، بل هي وثيقة إعتراف صريحة بتدمير مجتمع كامل، يُستعرض بها أمام اليمين المتطرف لحصد المكاسب السياسية الضيقة، بينما يغرق قطاع غزة في برك من الدم والركام.
إن حجم الدمار في غزة تجاوز بمراحل ما شهدته مدن أوروبية كبرى خلال الحرب العالمية الثانية،
حيث تقنيات القصف وتكتيكات الأرض المحروقة لم تكن تهدف فقط إلى شل القدرات العسكرية للمقاومة، بل إمتدت لتفكيك البنية التحتية للحياة ذاتها؛ المياه، الكهرباء، المستشفيات، والمدارس.
إن ما يحدث ليس حرباً بالمعنى التقليدي المعترف به في الأدبيات العسكرية للقرن العشرين، بل هو عملية سحق حيوية لمنطقة جغرافية بأكملها، تحت مرأى ومسمع من المنظومة الدولية.
هنا يحق لأي مراقب للضمير الإنساني أن يتساءل بمرارة: أي ظلم هذا؟ وأين ذهبت الإنسانية؟.
إن أزمة العالم اليوم ليست في نقص القوانين الدولية، ولا في غياب معاهدات جنيف، بل في سقوط الإرادة الأخلاقية لتطبيق هذه القوانين ، نحن أمام مشهد يُذبح فيه القانون الدولي على مذبح المصلحة
السياسية ، عندما يقف وزير الدفاع الإسرائيلي متباهياً بمحو قطاع كامل، فهو في الواقع يعلن موت النظام العالمي القائم على القواعد. إن الشريعة التي تحكم العالم اليوم للأسف الشديد هي شريعة القوة المجردة ، حيثُ يُسمح للفاعل المتغطرس أن يمارس أقصى درجات البطش، طالما أنه يستظل بظلال الحماية السياسية والدبلوماسية الممنوحة له من القوى العظمى.
يتجلى المشهد الأكثر إيلاماً وتناقضاً عندما ننظر إلى الواجهة الأخرى من المحيط الأطلسي ،
لطالما تحدثت الإدارات الأمريكية المتعاقبة ورئيسها الحالي عن قيم الحرية، والديمقراطية، والعدالة الدولية، وعن ضرورة إحترام حقوق الإنسان وحماية المدنيين في مختلف النزاعات عبر العالم ، لكن، كيف يستقيم هذا الخطاب الأخلاقي الرفيع مع السلوك السياسي الفعلي على أرض الواقع؟
كيف يستقبل الرئيس الأمريكي في البيت الأبيض أو في القمم الرسمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وهو الرجل الملاحق أو المطلوب بموجب قرارات ومذكرات المحكمة الجنائية الدولية لإتهامات تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية؟.
هذه اللقاءات والإحتفاءات الدبلوماسية لا تسقط فقط الأقنعة عن الشعارات البراقة، بل تبعث برسالة خطيرة إلى العالم أجمع مفادها: إن القانون الدولي يُطبق فقط على الضعفاء، أو على الخصوم الإستراتيجيين للغرب، بينما يُستثنى منه الحلفاء والأصدقاء مهما بلغت تجاوزاتهم.
هذا التناقض الصارخ، جعل أمريكا تفقد رصيدها الأخلاقي فى العالم العربي والإسلامي، بل وفي دول الجنوب العالمي بأكمله، بسبب هذه السياسات التي تزن الدماء بميزانين.
إن التاريخ، كما تعلمناه من قراءة صراعاته الكبرى، لا يرحم الذين يكتفون بمشاهدة الكارثة، ولا ينسى الذين تفاخروا بالدمار،
قد يتصوّر كاتس ومن هم على شاكلته في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أن محو غزة فوق الأرض وتحتها هو إنتصار عسكري حاسم، لكن التحليل الإستراتيجي العميق يخبرنا بعكس ذلك تماماً ، إن هدم الحجر وقتل البشر لا يمحو القضية من الوجدان الحي، بل يزرع بذور غضب جديد وأجيال لن تنسى.
إن غزة التي يقولون إنها لم تعد موجودة، قد تحولت من مجرد بقعة جغرافية محاصرة إلى رمز عالمي لإنكشاف الضمير الإنساني، وشاهد أزلي على القاع الذي وصلت إليه الحضارة الحديثة حين يسودها صلف القوة وتغيب عنها العدالة.
وسيظل السؤال الذي يؤرق أحرار العالم، والمكتوب بمداد من الدم والركام: إلى متى يستمر هذا الطغيان تحت مظلة الصمت والتواطؤ؟.