سلام على الورق وحريق على الأرض... مأساة غزة والجنوب اللبناني
تقتضي أصول القراءة السياسية الواعية ألّا ننخدع باللافتات البراقة، ولا بنشوة البيانات الصحفية التي تُصاغ في الغرف المغلقة بواشنطن أو تل أبيب، إن التاريخ الحديث للشرق الأوسط يُعلّمنا أن ثمة فارقاً شاسعاً بين السلام كإرادة للعدل والسلام كغطاء للهيمنة.
حين يخرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب متحدثاً عن التوصل إلى إتفاق تاريخي للسلام، يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى أن المدافع قد صمتت، وأن الطائرات قد عادت إلى قواعدها، وأن الأطفال في قطاع غزة قد وجدوا أخيراً ملجأً آمناً يحميهم من صبّة النار اليومية، لكن المقارنة البسيطة بين لغة التصريحات الوردية في واشنطن ولغة الوقائع الدامية على الأرض تُظهر أننا لسنَا أمام سلامٍ حقيقي، بل أمام عملية إعادة إنتاج للحرب بأساليب أكثر ضراوة.
الآلة العسكرية الإسرائيلية لم تتوقف لحظة واحدة عن دك قطاع غزة،
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: كيف لسلامٍ يُعلن عنه أمام عدسات الكاميرات أن يترجم على الأرض إلى قصفٍ متواصل للمستشفيات، وتدمير لما تبقى من البنية التحتية الطبية، وحصدٍ لأرواح الأطفال والمدنيين العزل؟.
إن السلوك العسكري لمجرم الحرب بنيامين نتنياهو ينطلق من إستراتيجية فرض الحقائق بالحديد والنار ،إن ما يحدث في غزة ليس أخطاءً تكتيكية، بل هو منهج عملياتي يستهدف تحويل القطاع إلى بيئة غير قابلة للحياة، بغض النظر عن أي وثائق سلام يُروَّج لها في الإعلام الغربي.
ولم تقف حدود هذه المأساة عند جغرافية قطاع غزة المحاصر؛ بل إمتدت يد البطش لتسجل إعتداءً صارخاً على الجنوب اللبناني،فقد وثّقت الصحافة اللبنانية ومصادر ميدانية إلقاء الجيش الإسرائيلي 14 قنبلة حارقة على البلدات والقرى الجنوبية.
هذا التصعيد الحارق في الجنوب اللبناني ليس مجرد رسالة ردع كما تدعي الأجهزة الأمنية في تل أبيب، بل هو إستكمال لذات العقيدة العسكرية التي لا تؤمن بالحوار ولا تحترم المواثيق الدولية، إن إستخدام القنابل الحارقة والفوسفورية ضد الأراضي الزراعية والمناطق المأهولة في لبنان يوضح للرأي العام العالمي أن الإدارة الإسرائيلية تضع توسيع نطاق الحرب كأولوية تتجاوز أي ترتيبات سياسية يعلنها البيت الأبيض.
عندما نتأمل المشهد الممتد من واشنطن إلى غزة والجنوب اللبناني، يحق لنا أن نتساءل بكل صراحة ووضوح:
هل السلام في العرف السياسي الراهن هو مجرد منح الضوء الأخضر للطرف القوي ليمارس البطش، ثم التغطية عليه ببيانات دبلوماسية براقة؟.
هل يرتضي الضمير الإنساني العالمي أن تُقايَض دماء الأطفال وصراخ الثكالى تحت الأنقاض بصفقات سياسية وإنتخابية؟.
إن سلام ترامب ونتنياهو بالصيغة المطروحة حالياً يُعبر عن أزمة عميقة في النظام الدولي؛ سلامٌ يُكتب بحبر واشنطن ويُنفَّذ بدماء أبناء غزة ولبنان ، إنه سلام يُلغي الضحية ويُكافئ المعتدي، ويجعل من القانون الدولي مجرد حبر على ورق لا قيمة له أمام منطق القوة الغاشمة.
حقيقة واحدة لا تقبل الشك ، لا يمكن بناء سلامٍ على أجساد الأطفال وفي ظل قصف المستشفيات وحرق القرى،
إن التاريخ يُعلّمنا أن الشعوب قد ترزح تحت وطأة النار لبعض الوقت، لكن الإرادة الوطنية والوعي الإنساني لا يموتان، وسيبقى السؤال المطروح على منصة الضمير العالمي ، إلى متى يظل العالم يتفرج على هذه الملهاة الدامية باسم السلام؟.