فوق صفيح النيل الساخن... إثيوبيا بين تفكك الهضبة وحسابات العروش

ياسر بركات
ياسر بركات

إثيوبيا لا تمر اليوم بأزمة أمنية أو سياسية عابرة، بل تعيش مرحلة إعادة تشكيل بنيوية شاملة، تعيد رسم خارطة التوازنات والتحالفات في المنطقة برمتها، على نحو ينعكس مباشرة على الأمن القومي العربي والأفريقي.


إن ما يجري في الداخل الإثيوبي اليوم تجاوز بكثير صيغة الاضطرابات الأمنية أو التمردات العرقية المحدودة ليتحول إلى أزمة وجودية تعصف بأسس ومفهوم الدولة الاتحادية المركزية ، إن الاتفاق الذي جرى توقيعه في بريتوريا لإيقاف الحرب في إقليم تيجراي لم ينجح في صناعة سلام استراتيجي دائم، بل أرست تفاهماته مجرد هدنة مؤقتة فرضتها حسابات الإنهاك العسكري، بينما ظلت الرواسب القومية والنزاعات الحدودية بين الأقاليم مشتعلة تحت الرماد.


ولم تلبث النار أن اندلعت في قلب التوافق الحكومي؛ إذ دخل إقليم أمهرة  الذي كان يعد العمود الفقري للحكم والتحالف السياسي للأغلبية  في مواجهة مسلحة مفتوحة وشاملة مع القوات الفيدرالية من خلال ميليشيات فانو ، وجاء هذا الانفجار اعتراضاً على محاولات السلطة المركزية نزع سلاح الميليشيات الإقليمية ومساعي تجريد الإقليم من ثقله السياسي والعسكري ، وفي الوقت نفسه، يزداد نشاط جبهة تحرير الأورومو في إقليم أوروميا ، مهدداً شريان العاصمة أديس أبابا نفسها.
أن الحكومة الفيدرالية برئاسة آبي أحمد باتت تسيطر عملياً على العاصمة والمحيط المباشر لها والمحاور الرئيسية والمدن الكبرى فقط، بينما تدار أجزاء واسعة وشاسعة من الأقاليم بواسطة سلطات أمر واقع أو تحت وطأة عمليات عسكرية متواصلة، استنزفت خزينة الدولة وأنهكت اقتصادها وجعلتها تعيش على وقع أزمة ديون وتضخم خانق.

 


أما في ملف سد النهضة، فالأمر يتجاوز المسائل الفنية لتسليم المياه وتوليد الكهرباء إلى بعدين أساسيين :
البعد الأول يتعلق بالحسابات الداخلية والشرعية السياسية للنظام؛ فقد تحول مشروع السد بالنسبة للقيادة السياسية في أديس أبابا من مجرد مشروع تنموي لتوليد الطاقة الكهرومائية إلى أيديولوجيا قومية وأداة رئيسية لتعبئة الشارع وإعادة بناء الشرعية المتآكلة، بهدف إلهاء الرأي العام الداخلي عن الصراعات العرقية والأزمات الاقتصادية والأمنية المتفاقمة.


أما البعد الثاني فيتجسد في استراتيجية فرض الهيمنة ونفوذ الأمر الواقع؛ إذ تسعى إثيوبيا للتحول إلى المتحكم المائي الأول في حوض النيل الشرقي، مستغلة حالة الانشغال الإقليمي لتنفيذ عمليات الملء المتتالي بشكل أحادي، ومتحاشية التوقيع على أي اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد التشغيل وملء السد في فترات الجفاف الممتد والسنوات الشحيحة.


وعلية فالموقف المصري ، يستند إلى خطوط حمراء استراتيجية ترتبط بالحقوق التاريخية والأمن القومي المائي للبلاد الذي لا يقبل المساومة ، إن القاهرة لا تعارض تنمية الشعب الإثيوبي ولا تقف ضد طموحاته، لكنها ترسل رسائل استراتيجية واضحة ومباشرة مفادها أن الاستقرار الإقليمي لا يمكن أن يستقيم بينما يتعرض شريان الحياة في مصر للخطر، أو بينما يتم استخدام السد كأداة للابتزاز السياسي والجيوسياسي من أعالي الهضبة.

 

إن الجغرافيا السياسية لا تكذب ولا تجامل؛ وما يحدث داخل الجسد الإثيوبي ينعكس تلقائياً نحو بقية أجزاء القرن الأفريقي والمشرق العربي.
في السودان، تؤدي التطورات الإثيوبية إلى تعميق حالة الهشاشة الأمنية والسياسية المتردية أصلاً، حيث أدت موجات النزوح والفرار العابر للحدود إلى الضغط على البنية التحتية والموارد، فضلاً عن تعقيد ملف الحدود العالق في منطقة الفشقة والتداخلات القبليّة المتشابكة بين جانبي الحدود.


أما في الصومال ومنطقة البحر الأحمر، فقد زاد المشهد سخونة واشتعالاً عقب الخطوة المفاجئة التي اتخذتها أديس أبابا للوصول إلى الملاحة البحرية عبر توقيع مذكرة تفاهم مع إقليم أرض الصومال الانفصالي غير المعترف به دولياً ،هذه الخطوة اعتبرتها مقديشو خرقاً صارخاً لسيادتها ووحدة أراضيها، مما دفعها للتحرك السريع وتعميق تحالفاتها العسكرية والأمنية مع مصر ودول عربية وأفريقية أخرى لمواجهة أي محاولات لتغيير الأمر الواقع في البحر الأحمر وخليج عدن.


وفي إريتريا، يسود توتر كبير على طول الشريط الحدودي، وسط مخاوف استراتيجية من تجدد النزاعات القديمة عقب تراجع التحالف التكتيكي الذي جمع أديس أبابا وأسمرة خلال حرب تيجراي، وتحول الخطاب الإثيوبي الرسمي نحو البحث عن منفذ بحري بأي ثمن.


أن نموذج الحكم الشخصي والمركزى في أديس أبابا يواجه معضلة كبيرة للدرجة التى من الممكن أن نقول أن هناك ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الدولة الإثيوبية:
السيناريو الأول هو سيناريو التفكك اللامركزي وانهيار السلطة المركزية لصالح أمراء الحرب والقيادات العرقية في الأقاليم، وهذا السيناريو ذا احتمالية مرتفعة في حال استمرار استنزاف الجيش الفيدرالي في حروب استنزاف متعددة الجبهات، وهو ما يشكل تهديداً خطيراً للأمن البحري في باب المندب وللتوازن في البحر الأحمر.


السيناريو الثاني يكمن في التدخل العسكري المباشر أو القبضة الأمنية الحديدية، حيث تضطر المؤسسة العسكرية لإقصاء القيادة السياسية الحالية أو فرض حالة طوارئ دائمة لإعادة فرض الهيبة بالقوة المسلحة ، ورغم أن هذا السيناريو قد يمنح السلطة فرصة للصمود الظاهري ، إلا أنه سيزيد من شراسة حرب العصابات والتأجيج الشعبي في الأقاليم الثائرة.


السيناريو الثالث والضعيف الاحتمال في الوقت الراهن هو التوافق الوطني الشامل، والذي يقتضي عقد مؤتمر وطني حقيقي يعيد صياغة العقد الاجتماعي بين مختلف العرقيات والمكونات، ويقرر توزيعاً عادلاً للثروة والسلطة ، بيد أن هذا الخيار يتطلب تنازلات سياسية قاسية وإرادة حقيقية لا تبدو متوفرة لدى أطراف النزاع حالياً.


نحن إذن أمام مشهد إقليمي مفتوح على كافة الاحتمالات الساخنة، إن إثيوبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي وحاسم: إما أن تدرك قيادتها أن الأمن والاستقرار لا يتحققان عبر إقصاء المكونات العرقية وتصدير الأزمات إلى الخارج والتنصل من التعهدات الدولية، أو أن تؤدي هذه الأزمات المتداخلة إلى تآكل الجغرافيا الداخلية وتفكيك الهضبة الإثيوبية، بما يحمله ذلك من تداعيات كارثية على القرن الأفريقي والأمن القومي العربي.


وعلى ضفاف النيل، تعي القاهرة جيداً أن معركتها الدبلوماسية والاستراتيجية ليست مجرد خلاف حول أرقام ومكعبات مياه، بل هي صيانة لميزان القوى التاريخي، ودفاع مستميت عن الأمن القومي في نقطة من أكثر نقاط العالم سخونة وحساسية.
 

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

فوق صفيح النيل الساخن... إثيوبيا بين تفكك الهضبة وحسابات العروش

بقلم ياسر بركات