دخان فوق قيادة الجيش ومكتب رئيس الوزراء.. إثيوبيا بين حتمية الحوار وسيناريوالتفكك
عندما تنفجر العبوات ويسمع دوي الانفجارات بالقرب من أسوار مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في أديس أبابا، ويتصاعد الدخان بجوار مقر القيادة العامة للجيش الإثيوبي في غرب العاصمة، فإن الحديث هنا لم يعد مجرد تحليلات عن شغب إقليمي أو مناوشات أمنية معتادة على أطراف الحدود. إننا أمام لحظة كاشفة ودقيقة في التاريخ الإفريقي الحديث، تنبئ بوضوح بأن الحريق الذي ظل يلتهم أطراف الهضبة لسنوات قد وصل بالفعل إلى مركز القرار السياسي والعسكري في الدولة.
إن القنابل حين تدوي على بُعد خطوات من المربع الرئاسي وقيادة الأركان، فإنها تسقط الهيبة قبل أن تهدم الجدران، وتعلن للجميع أن المعادلة الأمنية في البلاد قد دخلت مرحلة جديدة كلياً.
فالمشهد العسكري داخل إثيوبيا لم يعد يتحرك وفق قواعد الحروب التقليدية التي تفترض وجود جبهة محددة أو عدو واحد يمكن القضاء عليه ، إننا أمام خريطة متشابكة من جبهات القتال المتزامنة التي تحاصر المركز الفيدرالي:
تشهد مناطق أمهرة صراعاً دامياً بين القوات الفيدرالية وميليشيات الفانو المسلحة. إن الأمهرة، الذين كانوا حتى وقت قريب حلفاء لرئيس الوزراء في حربه ضد التيجراي، رفعوا السلاح بعد أن شعروا بمحاولات حثيثة لتفكيك بنيتهم العسكرية وتهميشهم سياسياً. تتحرك قوات الفانو بحرب عصابات خاطفة في القرى والمدن الرئيسية، مما جعل الإقليم الشمالي بأكمله خارج نطاق السيطرة الفيدرالية الكاملة.
إقليم تيجراي .. رغم اتفاق السلام الموقع في بريتوريا، إلا أن حالة
الهدوء الحذر لم تترجم إلى استقرار دائم. فالتأخير في بنود نزاع السلاح، وإعادة إعمار الإقليم المنكوب، والنزاعات الحدودية بين الأمهرة والتيجراي على مناطق مثل ولقايت، تجعل الإقليم كقنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة.
إقليم أوروميا ... يظل الإقليم الأكثر مساحة حلبة لعمليات
خاطفة وتسللات تطال خطوط الإمداد والبنية التحتية. والخطورة هنا تكمن في الجغرافيا؛ فالإقليم يحوط بالعاصمة أديس أبابا من جميع الجهات، مما يجعل العاصمة الحصينة مكشوفة استراتيجياً لأي اختراقات متقدمة تنفذها عناصر المتمردين الأورومو.
إن هذه الحروب المتزامنة والمتوزعة على أقاليم شاسعة ،
نقلت المعارك من مفهوم سيطرة الجيش الفيدرالى إلى مفهوم توزيع الخسائر. وهنا تكمن الدلالة الخطيرة للانفجارات الأخيرة؛ إذ إن الخصوم المسلحين أثبتوا قدرة ميدانية على نقل ثقل الصراع من جبال أمهرة وغابات أوروميا إلى قلب العاصمة مباشرة.
إن الدولة الإثيوبية فقدت عملياً حصرية استخدام القوة المشروعة. لم تعد أديس أبابا هي المصدر الوحيد للسلاح أو القرار الأمني، بل تشكلت في أقاليم البلاد سلطات أمر واقع عسكرية تمتلك السلاح الثقيل والخفيف وتتحكم في الجغرافيا والسكان.
ووصول الانفجارات إلى محيط مكتب رئيس الوزراء ومقر قيادة الجيش يمثل إما اختراقاً أمنياً خطيراً يمتد إلى داخل أجهزة الدولة والمؤسسة العسكرية نفسها، أو تمكناً لشبكات خلايا نائمة معارضة من التغلغل داخل الأحياء الأكثر تحصيناً في العاصمة. وفي كلا الحالتين، فإن هذا يعني أن الحزام الأمني الذي يحيط برأس النظام بات هشاً ورخواً.
والخوف كل الخوف من انزلاق إثيوبيا نحو التفكك الهيكلي، إن إثيوبيا ليست مجرد دولة عادية في شرق إفريقيا، بل هي ثقل ديموغرافي يزيد عن مائة وعشرين مليون نسمة. وإن أي انهيار للنظام المركزي في أديس أبابا سيرسل موجات زلازل غير مسبوقة: تدفق ملايين اللاجئين، واشتعال الحروب الإثنية عبر الحدود، وتهديد مباشر للملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، واختلال التوازن في جيبوتي والشرق الإفريقي.
لكن لا يمكن قراءة القنابل التي دوت في أديس أبابا بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي المحتقن الذي تحركت فيه سياسات آبي أحمد في الآونة الأخيرة.
لقد دخلت القيادة الإثيوبية في سلسلة من التوترات السياسية والعسكرية مع جيرانها الأقربين؛ من محاولات فرض الواقع حول ملف مياه النيل ورفض الحلول التوافقية، إلى توقيع مذكرة التفاهم المثيرة للجدل مع إقليم أرض الصومال بحثاً عن منفذ بحري على خليج عدن والبحر الأحمر، وهو ما أثار حفيظة الحكومة الفيدرالية في مقديشو وحلفائها الإقليميين.
هذا التمدد إلى الخارج والبحث عن الانتصارات الإستراتيجية خارج الحدود كان في جوهره محاولة لتصدير الأزمات الداخلية المستفحلة. ولكن النتيجة العكسية كانت محتومة: فقد بات الداخل الإثيوبي المكشوف أمنياً وسياسياً مسرحاً للتجاذبات وحرب النفوذ، وأصبحت أديس أبابا محاطة بحزام من البيئات الإقليمية الغاضبة التي ترى في اضطراب الهضبة فرصة للضغط على النظام أو تقليم أظافره.
إن الدرس الأكبر الذي تعلمنا إياه تجارب التاريخ الإفريقي والعالمي هو أن الأنظمة التي تعتمد على القوة الصلبة فقط لمواجهة أزمات ذات جذور سياسية وإثنية وتاريخية معقدة، إنما تشتري الوقت بأسعار باهظة جداً، وتصل في نهاية المطاف إلى حائط سد.
لقد توهمت الدوائر الحاكمة في أديس أبابا أن الحسم العسكري في تيجراي ثم القمع الميداني في أمهرة وأوروميا كفيلان بتركيع المعارضة وإعادة بسط نفوذ السلطة الفيدرالية القوية. ولكن الشظايا التي تساقطت بالقرب من مكتب رئيس الوزراء ورئاسة أركان الجيش جاءت لتبعث برسالة حاسمة لا تحتمل الشك: إن العنف لا يولد إلا العنف، وإن جغرافيا الهضبة المعقدة بتاريخها وتنوعها لا يمكن أن تُحكم بالسيف وحدها.
إثيوبيا اليوم تقف على مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن تتدارك القيادة السياسية هذه الإشارات الصادمة وتنتقل فوراً من عقلية الإخضاع وبسط النفوذ بالقوة إلى مؤتمر وطني شامل يتسع للجميع وتوزع فيه السلطة والثروة بعدالة، وإما أن يستمر هذا النزيف الداخلي. وإن استمر هذا النزيف، فلن تكون المسألة مجرد عبوات تفجر صمت العاصمة بين الحين والآخر، بل ربما نشهد تداعي المجتمع الإثيوبي بأكمله، ليتحول القرن الإفريقي برمته إلى أكبر بؤرة اضطراب وانفجار على خريطة العالم.