من يكسر الغرور الأمريكى قبل الكارثة؟

ياسر بركات
ياسر بركات

طبول الحرب والسلام فى قصر البستان 
من مسقط تبدأ القصة ،حيث يترقب العالم ما ستسفر عنه أروقة قصر البستان في سلطنة عُمان، ذلك لأن مفاوضات مسقط تفتح  فصلاً جديداً ومصيرياً في الصراع التاريخي بين واشنطن وطهران، حيث تجلس الوفود خلف أبواب مغلقة في محاولة لترميم ما أفسدته آلة الحرب والضغوط الاقتصادية المتبادلة. 

هذه الجولة من المباحثات غير المباشرة، التي يقودها من الجانب الأمريكي المبعوث ستيف ويتكوف بحضور لافت لجاريد كوشنر ومن الجانب الإيراني وزير الخارجية عباس عراقجي، لا تبدو كمجرد جولة دبلوماسية روتينية، بل هي محاولة أخيرة لتجنب صدام شامل باتت نذره تلوح في الأفق بعد ضربات "مطرقة منتصف الليل" الجوية التي استهدفت منشآت نووية إيرانية في يونيو 2025، وتركت واقعاً أمنياً جديداً جعل  المنطقة على حافة الاشتعال بين لحظه وآخرى.


الوفد الإيراني لن ولم يتزحزح عن مناقشة الملف النووي ورفع العقوبات الخانقة التي أعادت إدارة ترامب تفعيلها ، معتبرة أن أي مساس ببرنامج الصواريخ الباليستية هو خط أحمر يمس الأمن القومي للبلاد في المقابل، تدخل واشنطن المفاوضات مدعومة بزخم عسكري غير مسبوق بعد نشر حاملات الطائرات في الخليج، متبنية رؤية شاملة تطالب إيران ليس فقط بتفكيك قدراتها النووية "تفكيكاً كاملاً"، بل بوقف دعم الجماعات المسلحة في المنطقة ومعالجة ملف حقوق الإنسان في ظل الاحتجاجات الشعبية العارمة التي هزت الداخل الإيراني في ديسمبر الماضي.

 

 هذا التباين الحاد في الأهداف يجعل من وساطة سلطنة عُمان وقطر ومصر مهمة شبه مستحيلة، حيث يبحث الوسطاء عن صيغة تمنع انزلاق الأمور إلى مواجهة مباشرة قد تحرق أسواق الطاقة العالمية.


أما أثر هذه الأزمة على الشرق الأوسط فقد تجاوز مرحلة التوقعات ليصبح واقعاً مريراً؛ فالمنطقة تعيش اليوم حالة من "السيولة الأمنية" بعد تراجع نفوذ الوكلاء الإقليميين لطهران في دمشق وبيروت وصنعاء نتيجة الضغوط العسكرية والاستخباراتية المكثفة.

 

 ومع ذلك، فإن هذا التراجع لم يؤدي إلى الاستقرار، بل فتح الباب أمام سباق تسلح إقليمي محموم، حيث تسعى دول المنطقة لتأمين نفسها بعيداً عن مظلة الحماية التقليدية، وسط مخاوف من أن أي فشل لمفاوضات مسقط سيعني حتماً العودة إلى لغة الصواريخ التي قد تستهدف البنى التحتية النفطية وممرات الملاحة الدولية، فالشرق الأوسط في عام 2026 لم يعد ساحة لتصفية الحسابات فحسب، بل بات مختبراً حقيقياً لنظام عالمي جديد يتشكل بين مطرقة الردع الأمريكي وسندان الطموح الإيراني للوصول إلى "العتبة النووية".


إن القراءة المتأنية للمستجدات تشير إلى أننا أمام سيناريوهين لا ثالث لهما؛ فإما أن تنجح ضغوط واشنطن الاقتصادية الممزوجة بالتهديد العسكري في انتزاع تنازلات تاريخية تؤدي إلى "اتفاق شامل" يغير وجه المنطقة، أو أن تختار طهران الهروب إلى الأمام بتسريع وتيرة برنامجها النووي، ما قد يدفع إسرائيل والولايات المتحدة لاتخاذ قرار الحسم العسكري. وبين هذا وذاك، تظل الشعوب العربية هي من يدفع ثمن هذا الاستقطاب، في وقت تتحول فيه مفاوضات مسقط إلى "الميزان" الذي سيحدد ما إذا كان العقد الحالي سينتهي بسلام بارد ومستدام، أو بحرائق إقليمية كبرى تعيد رسم خرائط النفوذ والحدود،مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وسياسية لمنع الكارثة قبل وقوعها.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

كيف أعادت "قمة القاهرة" هندسة التوازنات الإقليمية؟

بقلم ياسر بركات