طبول الحرب العالقة في مضيق هرمز..ما وراء التأجيل ومفاتيح السر في الخليج
تتلاطم الأمواج في الخليج العربي، لتعكس مشهدًا سياسيًا بالغ التعقيد والتشابك ، لسنا هنا أمام مشهد عسكري تقليدي تنفجر فيه القذائف وتتحرك الأساطيل فحسب، بل أمام مسرح تاريخي تتشابك فيه خطوط الجغرافيا السياسية، وحسابات القوة، وكواليس الدبلوماسية السرية.
حين أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عبر منصاته، تأجيل ضربة عسكرية كانت قد أُعِدّت وصيغت تفاصيلها لضرب أهداف إستراتيجية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بدا المشهد للوهلة الأولى وكأنه تراجع مفاجئ، أو ربما مناورة جديدة من مناورات رجل الصفقات في البيت الأبيض ، لكن وعندما ننظر نجد أنفسنا أمام قصة أخرى مغايرة تمامًا لما يطفو على السطح ، قصة تشتبك فيها الوساطة الخليجية بحسابات الطاقة، مع تقديرات إستخباراتية محاطة ببالغ الحذر.
لم يكن قرار التأجيل وليد لحظة عاطفية في غرف البيت الأبيض، بل كان ثمرة حراك دبلوماسي خليجي مكثف قادته عواصم المنطقة؛ وتحديدًا الرياض، والدوحة، وأبوظبي.
كان المنطق الخليجي في هذه الإتصالات واضحًا وصارمًا إمنحوا الدبلوماسية فرصة أخيرة؛ فالنار إذا إشتعلت في شرق الخليج، فلن تنجو منها شواطئه الغربية.
هذه الوساطة لم تكن مجرد نداءات للسلام، بل كانت تعبيرًا عن إدراك عميق لحقائق الجغرافيا. فالخليج العربي ليس مجرد ممر مائي، بل هو شريان الحياة للإقتصاد العالمي. والوساطة هنا لعبت دور كابح السرعة للإندفاع الأمريكي، حيث أقنع القادة الخليجيون ترامب بأن هناك فرصة حقيقية لإنتزاع تنازلات من طهران عبر قنوات تفاوضية غير مباشرة تمر بعض خيوطها عبر باكستان وعواصم أخرى شريطة تأجيل الخيار العسكري الذي كان سيحرق الأخضر واليابس.
لكن وخلف واجهة القوة العسكرية الجبارة للولايات المتحدة، يقبع دائماً هاجس الأرقام والإقتصاد.
إن أي هجوم عسكري على إيران، حتى لو كان محددًا وخاطفًا، كان سيؤدي حتمًا إلى ردود فعل إيرانية تطال المنشآت النفطية وحركة الملاحة في مضيق هرمز.
بما يعني فورًا قفز الأسعار إلى مستويات قياسية غير مسبوقة وإهتزاز الأسواق العالمية، ويدرك ترامب، ببراجماتيته المعهودة، أن إرتفاع أسعار الوقود في محطات البنزين الأمريكية هو أسرع طريق لخسارة التأييد الشعبي داخليًا.
لذلك، كانت توصية الأسواق تلتقي تمامًا مع الرغبة الخليجية في التهدئة وتجنب التصعيد الشامل.
بخلاف أن طهران لن تقف مكتوفة الأيدي، وأنها تمتلك شبكة واسعة من الفصائل والحلفاء في العراق ، ولبنان، واليمن، قادرة على تحويل المواجهة إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات. هنا ظهر شرخ في التقديرات؛ فبينما كانت بعض الأطراف الإسرائيلية ترى في التراجع الأمريكي مؤشر ضعف قد يستغله الإيرانيون، كانت بعض الدوائر الأكثر رصانة تحذر من أن الحرب الشاملة ستضع القواعد الأمريكية في المنطقة، وحلفاء واشنطن، بل وعمق إسرائيل ذاته، في مرمى نيران لا يمكن التنبؤ بمدى كثافتها.
ولا يمكن قراءة المشهد بمعزل عن القوى الدولية الأخرى، فالتأجيل جاء مباشرة بعد لقاءات ومباحثات أجراها ترامب مع الرئيس الصيني شي جين بينج ، الصين، بإعتبارها المستورد الأكبر للنفط الإيراني والخليجي، تبدي قلقاً عارماً من أي تفجير للوضع في الشرق الأوسط.
التقارير تلمح إلى أن بكين ضغطت بثقلها الإقتصادي والدبلوماسي، ملوحة بأن أي حرب شاملة ستعني تقويض التفاهمات التجارية الدولية. وبالتالي، وجد ترامب نفسه أمام جدار صلب من الرفض الدولي، تشارك فيه أوروبا أيضاً التي ما زالت تتمسك بأمل الحلول الدبلوماسية لمنع إنتشار السلاح النووي في المنطقة.
إن ما جرى في الساعات الأخيرة ليس إيقافاً لقطار الحرب، بل هو إعادة ضبط للمسارات ، لقد أثبتت القوى الخليجية أنها لم تعد مجرد ساحة لتصفية الحسابات الدولية، بل أصبحت شريكاً إستراتيجياً قادراً على صياغة القرار في واشنطن من خلال توظيف أوراق الدبلوماسية والإقنناع وحماية مصالح الطاقة المشتركة.
ترامب لم يلغِ الخيار العسكري، بل وضعه في حالة تأهب قصوى على حد تعبيره، منتظراً ما ستسفر عنه الأيام القليلة القادمة من المفاوضات التي تجري تحت الطاولة ، إيران، من جانبها، تقرأ هذا التأجيل بكثير من الحذر؛ فهي تعلم أن التراجع المؤقت لرجل مثل ترامب قد يكون مجرد إنحناءة للعاصفة، تمهيداً لصفقة كبرى، أو ربما لضربة أشد قسوة إذا ما إنهارت قنوات الإتصال السرية.
يبقى القول إن مضيق هرمز سيبقى، لفترة ليست بالقصيرة، هو الميزان الحقيقي الذي يقيس به العالم حرارة الحرب والسلام؛ بإنتظار ما ستؤول إليه لغة الصفقات في اللحظات الأخيرة