عواصف الجنوب وظلال طهران .. قراءة في خريطة الشرق الأوسط بعد القرار الإسرائيلي بالبقاء في لبنان

الموجز

نحن أمام لحظة كاشفة تتدفق فيها التفاعلات التاريخية لتصنع واقعاً جديداً فوق جغرافيا الشرق الأوسط المعذبة،

القرار الإسرائيلي الصادر مؤخراً بعدم الإنسحاب من الأراضي اللبنانية، والإصرار على ترسيم ما يسمى المنطقة الأمنية الأمامية بعمق يصل إلى عشرة كيلومترات في جنوب لبنان، ليس مجرد إجراء عسكري تكتيكي فرضته ظروف المواجهة الأخيرة؛ إنه في جوهره محاولة صريحة لفرض جغرافيا سياسية قسرية تلغي خطوط الهدنة القديمة، وستكون لها إرتدادات زلزالية تتجاوز تلال الجنوب اللبناني لتصل مباشرة إلى طاولة المفاوضات المعقدة بين واشنطن وطهران.

 

 

إن القرار الإسرائيلي هو لغماً موقوتاً فُجِّر في قلب التفاهمات الدولية الأخيرة ، وتل أبيب، التي خاضت جولات دموية منذ مطلع عام 2026، تجد نفسها اليوم مدفوعة بنظرية الأمن المطلق ، وهي النظرية التي صاغها مجرم الحرب نتنياهو وفريقه العسكري، وتقوم على مبدأ أن أي انسحاب من الجنوب دون تفكيك كامل للبنية العسكرية لحزب الله يعنى عودة الخطر إلى الجليل في غضون أشهر،

لكن القراءة العميقة للقرار ترى في هذا الإصرار الإسرائيلي مأزقاً إستراتيجياً ، فالجنوب اللبناني، تاريخياً، لم يكن أبداً أرضاً سهلة للإحتواء ، وأن البقاء الإسرائيلي في عمق الجنوب، ووصول القوات إلى مشارف النبطية، سيحول هذه المنطقة إلى مغناطيس للإستنزاف. إن إسرائيل، برفضها مقترحات نشر الجيش اللبناني ، تقطع الخيط الرفيع الذي كان يمكن أن يقود إلى تهدئة مستدامة، وتجعل من وقف إطلاق النار الهش مجرد هدنة المحارب التي تسبق عاصفة أشد عنفاً،

الزاوية الأكثر إثارة للقلق هي تأثير هذا القرار على مستقبل العلاقات الأمريكية الأيرانية، وخاصة مذكرة التفاهم التاريخية والهشة التي تم توقيعها في منتصف يونيو 2026 برعاية دولية وإقليمية، بعد أسابيع من حرب مباشرة وضربات متبادلة حطمت الكثير من قواعد الإشتباك التقليدية،

 

 

فطهران، التي فقدت رموزاً كباراً في ضربات فبراير الماضي وباتت تعاني ضغوطاً داخلية وإقتصادية هائلة، ترى في بقاء إسرائيل في لبنان إلغاءً ضمنياً لروح التفاهمات مع واشنطن. المتحدث باسم الخارجية الأيرانية ومفاوضوها في جولات بورجنستوك والدوحة صرحوا بوضوح بأن الإنسحاب الإسرائيلي الكامل من الجنوب هو الشرط المركزي لأي إتفاق نهائي ،بالنسبة لطهران، فإن التخلي عن جنوب لبنان يعني تراجع محور المقاومة وقبولاً بوقائع جغرافية تفرضها القوة الأمريكيةالإسرائيلية المشتركة،

فيما تجد الإدارة الأمريكية نفسها في وضع لا تحسد عليه؛ فهي من جهة تريد إغلاق ملف المواجهة مع إيران، وفتح ممرات الملاحة في مضيق هرمز لإنهاء أزمة الطاقة العالمية، ومن جهة أخرى عاجزة أو غير راغبة في ممارسة ضغط حقيقي على تل أبيب لإجبارها على الإنسحاب ، واشنطن تحاول تسويق صيغ مرنة مثل دعم الجيش اللبناني وتدريبه عبر تفاهمات يقودها وزير الخارجية ماركو روبيو، لكن هذه الصيغ تصطدم برفض إسرائيلي قاطع وفيتو أيراني متبادل،

وإيران تستخدم ورقة إدارة مضيق هرمز والترتيبات الأمنية مع دول الخليج للضغط على واشنطن، مهددة بالعودة إلى خيار التصعيد العسكري إذا ما إستمر الإحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، مما يجعل الـ 60 يوماً المحددة لإبرام الإتفاق النهائي بين أمريكا وإيران حافلة بألغام الفشل.

إذا نظرنا للمشهد من زاوية أوسع، فإن القرار الإسرائيلي يمثل، أكبر توسع عسكري إسرائيلي للسيطرة على الأراضي منذ عقود شمل غزة وأجزاء من جنوب لبنان وسوريا، هذا التوسع يعيد رسم خرائط الشرق الأوسط بالدم والنار، ويخلق واقعاً ديموغرافياً وأمنياً كارثياً،

إن تهجير أكثر من مليون لبناني من قراهم الجنوبية، وتحويل شريط ممتد بطول الحدود إلى أرض محروقة ومناطق خالية من السكان، لا يعني فقط تدمير البنية الإجتماعية للجنوب اللبناني، بل يعني أيضاً زرع بذور صراع أهلي وسياسي داخل البنية اللبنانية المتداعية أساساً ، فهناك رعباً حقيقياً من إحتمال إنزلاق لبنان إلى آتون حرب أهلية جديدة، في ظل إتهامات متبادلة بين القوى اللبنانية حول المسؤولية عن هذا الدمار، ورفض حزب الله الإعتراف بأي إتفاقات دولية لا تضمن خروج المحتل،

علاوة على ذلك، فإن عجز المجتمع الدولي ممثلاً في قوات اليونيفيل التي أصبحت معزولة وسط خطوط النارعن فرض القرار 1701 أو أي صيغة معدلة له، يسقط ما تبقى من هيبة لـ النظام الدولي، ويؤكد أن القوة العسكرية الغاشمة هي الصانع الوحيد للحقائق على الأرض في هذه المنطقة من العالم،

 

 

القرار الإسرائيلي بعدم الإنسحاب من لبنان قد يبدو لجنرالات تل أبيب إنجازاً أمنياً يحمي حدودهم الشمالية، ولعله في حسابات السياسة الداخلية الإسرائيلية طوق نجاة لـ حكومة الحرب ، لكنه في الحسابات الإستراتيجية الكبرى للشرق الأوسط، ، ليس سوى فتحٍ لباب الحرب الدائمة،

إن هذا القرار يرهن العلاقات الأمريكية الأيرانية للمجهول، ويجعل من أي إتفاق دبلوماسي في الدوحة أو جنيف حبراً على ورق قد تحرقه أول قذيفة تسقط في النبطية أو أول مسيرة تنطلق من البقاع، الشرق الأوسط بعد هذا القرار لن يعود إلى ما كان عليه قبل فبراير 2026؛ فالخرائط التي ترسم بقوة السلاح تظل خرائط قلقة، والهدوء المزعوم ليس إلا الهدوء الذي يسبق الإرتطام الكبير، والأيام القادمة، وحدها، تملك لغة الحسم وسط غبار المعارك وتفاصيل المفاوضات المعقدة تحت الطاولة.

 

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

عواصف الجنوب وظلال طهران .. قراءة في خريطة الشرق الأوسط بعد القرار الإسرائيلي بالبقاء في لبنان

بقلم ياسر بركات