بصمات على جدار الزمن... غزة، بيروت، وخطوط النار المتشابكة بين واشنطن وطهران
لم يكن الشرق الأوسط يوماً مجرد جغرافيا ساكنة، بل هو بركان دائم القلق، إذا إهتزت فيه زاوية، تلاشت الطمأنينة في بقية زواياه ، واليوم، ونحن نرقب المشهد الدامي في قطاع غزة، لسنا أمام جولة عنف تقليدية، ولا أمام مجرد عدوان عابر، بل نحن أمام عملية جراحية قيصرية تجري بالحديد والنار لإعادة صياغة المنطقة برمتها،
إن إستمرار الإجرام الإسرائيلي في قطاع غزة، وتجاوزه لكل الخطوط الحمراء الإنسانية والقانونية، ليس مجرد فعل عسكري مدفوع برغبة الإنتقام أو الإنتقام المضاد؛ إنه في حقيقته تجسيد لأزمة عميقة تعيشها الصهيونية العالمية في مواجهة ديمغرافيا ترفض الموت، وتاريخ يأبى النسيان ، لكن المأساة الحقيقية لا تكمن فقط في آلة القتل الإسرائيلية المنفلتة من عقالها، بل في هذا الصمت العالمي المريب الذي تحول مع مرور الوقت إلى تواطؤ كامل، يغسل يد القاتل بماء المبررات السياسية، ويترك الضحية تواجه مصيرها تحت أنقاض البيوت المدمّرة.
ولا يمكن بأي حال من الأحوال، فصل ما يحدث في غزة عما يجري على الساحة اللبنانية،
إن الجبهة في جنوب لبنان لم تعد مجرد جبهة إسناد أو تضامن أخلاقي؛ بل هي إمتداد طبيعي لخط زلازل جيوسياسي واحد،فرئيس الوزراء الإسرائيلي وحكومته اليمينية المتطرفة يدركون أن ضرب غزة دون تحجيم القوة الردعية في لبنان هو معركة ناقصة الجدوى ، ومن هنا، فإن القصف المتبادل، والتوغل، وإختراق السيادة اللبنانية، ليس إلا الوجه الآخر للعملة الإسرائيلية التي تُسك في أفران غزة ، إنهما ساحتان مرتبطتان برباط سري ومعلن، حيث تسعى إسرائيل إلى فك هذا الإرتباط تارة بالترهيب وتارة بالدبلوماسية الخشنة، بينما يصر الواقع على أن أمن بيروت يمر حتماً عبر وقف شلال الدم في دير البلح وخان يونس ورفح.
وإذا إبتعدنا قليلاً لنرى المشهد من أعلى، سنجد أن الخيوط الحقيقية تتحرك في عواصم القرار الأبعد: واشنطن وطهران فما يشهده قطاع غزة ولبنان ليس إلا تجلياً ميدانياً للصراع الكبير بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية.
إن القصف المتبادل، سواء عبر الوكلاء أو الضربات المباشرة التي كسر فيها الطرفان قواعد الإشتباك القديمة، يعكس حقيقة أن غزة تحولت إلى نقطة الإرتكاز في حرب إقليمية بالوكالة والأصالة معاً ، الولايات المتحدة، بتقديمها الغطاء السياسي اللامحدود والجسر الجوي من المساعدات العسكرية لإسرائيل، لا تدافع عن تل أبيب فحسب، بل تدافع عن هيبتها الإستراتيجية في مواجهة ما تسميه محور المقاومة المدعوم من طهران ، وفي المقابل، فإن إيران ترى في إستمرار جبهات المقاومة مشتعلة وسيلة دفاعية متقدمة لحماية عمقها الإستراتيجي وبرنامجها النووي وطموحاتها الإقليمية ، بناءً عليه، تصبح كل قذيفة تسقط في غزة، وكل صاروخ ينطلق من جنوب لبنان، وكل مسيرة تستهدف قاعدة أمريكية في المنطقة، بمثابة جملة في كتاب صراع الإرادات بين القوتين.
وهنا نصل إلى المأساة الإنسانية المقبضة، وهي هذا الصمت الدولي الذي فضح نفاق النظام العالمي الجديد ، لطالما حدثتنا الأدبيات السياسية الغربية عن حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني وإتفاقيات جنيف ، لكن عندما وضعت هذه الشعارات على محك الإختبار في أزقة غزة المحاصرة، سقطت الأقنعة وتهاوت النظريات،
تقارير منظمة العفو الدولية تتحدث بلغة الأرقام الصادمة عن مجاعات ، وهدم ممنهج للمستشفيات، وإبادة لعائلات بأكملها شُطبت من السجل المدني ، ومع ذلك، يكتفي المجتمع الدولي ببيانات القلق الشديد أو إستخدام الفيتو الجاهز لإجهاض أي قرار يلزم القاتل بوقف غلوائه ، إن هذا الصمت ليس عجزاً بقدر ما هو قرار سياسي بالتعامي، خوفاً من إغضاب القوة العظمى، أو تواطؤاً مبطناً مع فكرة إخضاع المنطقة لإملاءات الهيمنة.
إن غزة ليست حدثاً معزولاً في التاريخ، بل هي المبتدأ والخبر في معادلة الشرق الأوسط الجديد،
لا يمكن لصناع القرار في العواصم الغربية أن يتصوروا إمكانية صياغة سلام وهمي في لبنان، أو التوصل إلى صفقة مستدامة بين واشنطن وطهران، بينما تظل غزة تنزف وتُباد ، التاريخ يعلمنا، أن الظلم المتراكم لا ينتج إستقراراً، وأن الإنفجارات الكبرى تولد دائماً من رحم الإهمال والصمت على المظالم ، إن ما يجري اليوم هو تشابك مصيري مرعب؛ فالنار التي تحرق خيام النازحين في القطاع، هي ذاتها التي تشعل فتيل الحرب الإقليمية التي قد لا تذر ولا تبقي، والتي تمتد شراراتها من شواطئ بيروت إلى مياه الخليج، لتضع العالم كله أمام إستحقاق تاريخي غاب عنه طويلاً: عدالة القضية الفلسطينية كشرط أول وأخير لأي أمن أو سلام.