بين منطق التاجر ومناورات المأزوم ... ماذا يطبخ ترامب ونتنياهو للشرق الأوسط خلف الأبواب المغلقة؟

الموجز

هناك لقاءات في تاريخ السياسة الدولية لا تُقاس بالساعات والدقائق، ولا بما يصدر عنها من بياناتصياغتها دبلوماسية باهتة ومملة، وإنما تُقاس بحجم الشُّحنة المتفجرة التي تحملها في أحشائها ،واللقاءالمرتقب خلال الأيام القليلة القادمة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيليبنيامين نتنياهو ينتمي دون أدنى مبالغة إلى هذا الصنف من اللقاءات المعبأة بالبارود،

القراءة المتأنية لما يدور في كواليس واشنطن وتل أبيب، تكشف لنا أننا لسنا أمام زيارة مجاملة بمناسبةالعيد الـ250 للإستقلال الأمريكي، بل نحن أمام ترتيبات ساخنة  وصدام إرادات خفي، يجيء بعد شهورقليلة من شتاء عاصف شهد ضربات مشتركة ضد إيران في فبراير الماضي، تلاها وقف هش لإطلاق النار،


 

والحقيقة التي لا يمكن القفز فوقها، هي أنه كلما إلتقى هذان الرجلان بالذات، إلا وإهتزت الأرض تحتأقدام الشرق الأوسط، وكأن اللقاء نفسه بمثابة صاعق تفجير في منطقة مشتعلة بالأساس،

في هذه اللحظة الحرجة، هناك تفاصيل لافتة لما سيجري في هذا اللقاء الصيفي الساخن، دونالد ترامب،بمنطق التاجر الذي يبحث عن الصفقة السريعة والنصر الحاسم الذي يخدم جبهته الداخلية، يبدومتبرماً من سيناريو الحروب الأبدية ، ترامب يريد ترتيبات نهائية لملف إيران النووي تضمن التهدئةوتُظهره بمظهر صانع السلام القوي، لدرجة أنه صرّح بأسلوبه الفج المعهود قائلاً: إن نتنياهو يعرف تماماًمن هو السيد هنا،

على الجانب الآخر، يقف بنيامين نتنياهو، الرجل الذي يجيد الرقص على حبال الأزمات، والذي يرى فيإستمرار خطوط النار وتوسيع رقعة المواجهة  سواء في لبنان أو ضد الصواريخ الباليستية الإيرانية  طوقالنجاة الوحيد لمستقبله السياسي الشخصي في ظل إقتراب موسم الإنتخابات.

  ترامب يضغط من أجل تثبيت إتفاقات التهدئة ومذكرات التفاهم الأخيرة لضمان إستقرار الإقليم، بينمانتنياهو يحاول إنتزاع صك على بياض لمواصلة الضغط العسكري، أى إنها مواجهة بين عقلية رجلالأعمال الذي يريد إغلاق الملف، وعقلية الإستراتيجي المأزوم الذي يقتات على فتح الجروح،


 

هنا نأتي إلى السؤال الجوهري والمثير هل سيكون العالم مكاناً أفضل وأكثر أماناً لو إختفى دونالد ترامبوبنيامين نتنياهو من المشهد؟

إن الإجابة لا تنطلق من باب التمنيات الأخلاقية، بل من تفكيك دقيق لظاهرة السياسة الشخصانيةوالشعبوية التي يمثلها الرجلان،

فهما يمثلان ظاهرة الإبتزاز السياسي غيابهما يعني تلقائياً هبوط منسوب التوتر والشعبوية التي تغذتعلى تقسيم المجتمعات سواء في أمريكا أو في إسرائيل إلى معسكرين : معسكر الولاء المطلق، ومعسكرالخيانة،

بلا شك  غياب ترامب يعني عودة السياسة الخارجية الأمريكية إلى مسارها التقليدي القائم علىالتحالفات المستقرة وإحترام المواثيق، بدلاً من سياسة  المزاج الشخصي  والقرارات الفجائية عبر وسائلالتواصل الإجتماعي،

وغياب نتنياهو، الذي يُجمع كبار قادة الأمن والجيش في إسرائيل قبل غيرهم على أنه يمثل حجرة عثرةأمام أي تسوية تاريخية، سيفتح الباب أخيراً لتنفس الصعداء، والبحث عن حلول حقيقية للقضيةالفلسطينية بعيداً عن منطق الإبادة وتكريس الإحتلال،


 


 


 

لكننا، لا يجب أن نقع في فخ التبسيط الشديد، نعم، قد يكون العالم أكثر هدوءاً بدون صخب ترامبومناورات نتنياهو، ولكن السؤال الأخطر هو: هل الأزمة في الأشخاص أم في البنية الإستراتيجية؟

إسرائيل ككيان يمر بمرحلة تحول ديمغرافي وسياسي نحو اليمين الفاشي المتطرف، وظاهرة النتنياهوية  قد تظل باقية حتى لو ذهب نتنياهو شخصياً ، وبالمثل، فإن أمريكا تعيش إنقساماً مجتمعياً عميقاً جعلمن الترامبية تياراً عريضاً لا ينتهي بمجرد غياب صاحبه،

ومع ذلك، يظل غيابهما بمثابة نزع فتيل التفجير المباشر ، فالرجلان يمتلكان نرجسية سياسية فريدةتجعلهما مستعدين لإشعال الحروب الإقليمية الشاملة دفاعاً عن مجدهما الشخصي وهرباً منالملاحقات القضائية أو الهزائم السياسية،

إننا ونحن نرقب تفاصيل هذا اللقاء المرتقب في واشنطن، بعد قمة الناتو، ندرك تمام الإدراك أننا لسناأمام مشهد دبلوماسي عادي، بل نحن أمام محاولة لضبط إيقاع النيران في الشرق الأوسط،

ترامب يريد أن يثبت أنه السيد الذي يمسك بمفاتيح الحرب والسلام في العالم، ونتنياهو يذهب وعينهعلى البقاء في مقعد السلطة بأي ثمن، حتى لو كان الثمن إحراق المنطقة بأسرها ، وما بين طموح الأولومناورات الثاني، يظل الشرق الأوسط، وللأسف الشديد، هو الساحة الإستراتيجية المهيأة دائماً لدفعالثمن من دماء أبنائه وإستقرار شعوبه.


 

إن العالم يتطلع بالفعل إلى لحظة يختفي فيها هذا الطراز من القادة الشعبويين، لعل الإنسانية تجدفرصة لإلتقاط الأنفاس، ولعل هذا الشرق المعذب يجد أخيراً مساراً إلى سلام حقيقي لا تصنعه الصفقات المشبوهة، بل تقيمه العدالة الحقّة.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

بين منطق التاجر ومناورات المأزوم ... ماذا يطبخ ترامب ونتنياهو للشرق الأوسط خلف الأبواب المغلقة؟

بقلم ياسر بركات