لا دولة ولا إنسحاب ... نتنياهو وثقافة القوة في مواجهة المجهول
تأتي اللحظات الفارقة في تاريخ الأمم والشعوب محمّلة بصدمات الحقائق التي تكشف المستور وتضع الجميع أمام المبتدأ والخبر، بلا رتوش أو مساحيق تجميل سياسية ، وما أعلنه مجرم الحرب بنيامين نتنياهو مؤخراً بوضوح قاطع لا يترك مجالاً للبس حول رفضه القاطع لقيام دولة فلسطينية سواء في قطاع غزة أو في الضفة الغربية، وإشتراطه التجريد التام والشامل لكافة أنواع السلاح قبل أي حديث عن إنسحاب، بل وتجاوزه لحسابات حلفائه التاريخيين حتى في واشنطن، لا يمثل مجرد تصريح عابر في سجال سياسي محلي، بل هو إعلان صريح عن عقيدة إستراتيجية ترى في القوة المجردة البديل الوحيد والأخير للسياسة والدبلوماسية.
إن الإدارة الإسرائيلية الحالية تتصرف بناءً على قناعة راسخة مفادها أن التوازنات الإقليمية والدولية الراهنة تمنحها نافذة تاريخية للفرض القسري للواقع دون الحاجة للتفاوض أو التنازل،
فالمسألة لم تعد تتعلق بتكتيكات تفاوضية لتحسين الشروط، بل بتبني إستراتيجية الحسم النهائي، والتي تتجاهل تماماً
الشرعية الأخلاقية والدينية التي تُدهس يومياً تحت ركام المدن المدمّرة.
إن الحسابات الإستراتيجية طويلة المدى، والتي تؤكد أن غياب الأفق السياسي لن يؤدي إلا إلى تجديد دوامات العنف بشكل أكثر ضراوة،
عندما يستمع المرء إلى نبرة نتنياهو وهو يتحدث ، يلمس بوضوح أنه لا يرى أمامه في الخريطة الشرق أوسطية عائقاً يجعله يحسب خطواته بميزان الذهب، إنه يتصرف كمن يمتلك تفويضاً مطلقاً للتحرك والتدمير وإعادة رسم الجغرافيا السياسية، على مسمع ومرأى من العالم أجمع، وهذا الوضع يطرح سؤالاً جوهرياً وحاداً إلى متى يستمر هذا التجاوز؟ وما الذي أوصل البيئة الإقليمية إلى هذه النقطة من الإنكشاف الاستراتيجي؟.
الجواب، يكمن في إختلال ميزان الردع ، تل أبيب تدرك أن لغة القوة هي اللغة الوحيدة المقبولة والمتداولة في هذه اللحظة من التاريخ الإقليمي، وأن أي حديث عن المبادرات السلمية أو خطط السلام ،حتى تلك التي طرحتها الإدارات الأمريكية المختلفة ،يُنظر إليها إسرائيلياً بإعتبارها مجرد كسب للوقت وتثبيت لقواعد لعبة جديدة تقوم على الأمر الواقع.
إن الإصرار على نفي خيار الدولة الفلسطينية في غزة والضفة الغربية ليس مجرد رفض لمشروع معين، بل هو إلغاء كامل لمفهوم التسوية السياسية من أساسه ، حيث يُراد لغزة أن تبقى منطقة معزولة، بلا سلاح، وبلا إدارة وطنية، وبلا مستقبل سياسي، بينما تُستكمل في الضفة الغربية عمليات التقطيع الجغرافي والإستيطاني لتفريغ أي كيان مستقبلي من مضمونه.
هذه الرؤية الإسرائيلية تستند إلى قراءة مادية جافة لحجم القوة النارِية والغطاء السياسي الدولي، لكنها في المقابل تقع في خطأ إستراتيجي قاتل؛ فهي تفترض أن الشعوب يمكن إختزالها في معادلات عسكرية صماء، وأن القمع التفوقي قادر على محو تطلعات التاريخ والجغرافيا.
الحروب التي تُدار بغير أهداف سياسية واضحة وممكنة التحقيق تتحول حتماً إلى نزيف مستمر ، وإن إلغاء الفكرة الوطنية الفلسطينية وحصر الخيارات بين خضوع كامل أو تدمير شامل هو وصفة مثالية لإنفجارات متتالية لا يمكن لأي منظومة دفاعية أو دعم إستخباراتي أن يحتويها إلى الأبد.
لقد علمتنا دروس التاريخ، من حروب الشرق الأوسط إلى نزاعات العالم الأخرى، أن الحاكم الذي يعتمد كلياً على منطق القوة يتجاهل حقيقة أساسية ،إن القوة قد تمنحك إنتصاراً عسكرياً تكتيكياً، لكنها لا تبني إستقراراً إستراتيجياً أبداً ، ومجرم الحرب نتنياهو، بقتله لكافة مسارات السلام ورفضه لمنطق الحلول الشاملة، يضع المنطقة بأسرها على حافة إنفجار متجدد لن تسلم من شظاياه حتى القوى التي تعتقد اليوم أنها بمعزل عن هذا التدمير الذاتي.
إن اللحظة الحالية تعيد تذكيرنا بضرورة العودة إلى أصل الصراع: لا إستقرار في هذه المنطقة بلا عدالة أساسية للجمهور الفلسطيني، ولا أمن لأحد ما دام منطق القوة هو الحاكم وهو الحَكَم ، وما يحدث اليوم ليس مجرد إختبار للصمود الفلسطيني، بل هو إختبار أخلاقي وسياسي للنظام الدولي بأكمله، الذي يقف شاهداً على تجريف قواعد القانون والعدالة بغير رادع.