سوريا بين واشنطن وإسرائيل وتركيا.. تحركات مكثفة ترسم ملامح المرحلة المقبلة
تشهد سوريا خلال الأيام الأخيرة تحركات سياسية وأمنية متسارعة، بالتزامن مع اتصالات أمريكية وسورية وإسرائيلية تهدف إلى احتواء التوترات المتصاعدة، وفتح مسار جديد للعلاقات بين دمشق وتل أبيب، في وقت تتداخل فيه المصالح الأمريكية والإسرائيلية والتركية داخل الساحة السورية.
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع توجه الولايات المتحدة إلى رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، في خطوة من شأنها إزالة عقبة قانونية مهمة أمام جهود إعادة إعمار البلاد، لكنها في المقابل تضع الحكومة السورية الجديدة أمام استحقاقات سياسية وأمنية، أبرزها مستقبل العلاقات مع إسرائيل وترتيبات الوجود العسكري داخل الأراضي السورية.
رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب
تستعد الولايات المتحدة لإعلان رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بعد عقود من إدراجها ضمن القائمة، وذلك بعدما أبلغ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الكونجرس في يوليو الماضي عزمه إنهاء هذا التصنيف.
وقال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إن الخطوة تهدف إلى منح الشعب السوري فرصة جديدة لتحقيق الاستقرار والازدهار، موضحًا أن تخفيف العقوبات يمكن أن يسهم في جذب الاستثمارات ودعم الاستقرار السياسي والاقتصادي.
وفي سياق متصل، ألغت واشنطن تصنيف «جبهة النصرة» كمنظمة إرهابية، بعدما أعلنت الجماعة عام 2016 قطع علاقاتها بتنظيم القاعدة، قبل أن تعيد تسمية نفسها وتندمج لاحقًا في هيئة تحرير الشام.
واشنطن تدفع نحو اتفاق سلام مع إسرائيل
في مقابل الانفتاح الأمريكي على الحكومة السورية الجديدة، تبدو واشنطن راغبة في الحصول على خطوات سياسية مقابلة من دمشق، وعلى رأسها وضع خارطة طريق لاتفاق سلام مع إسرائيل، ينهي حالة الحرب الرسمية المستمرة بين البلدين منذ عقود.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة بالنسبة للرئيس السوري أحمد الشرع، الذي ارتبط صعوده السياسي والعسكري سابقًا بخطاب معادٍ للولايات المتحدة وإسرائيل.
وبحسب مصدر سوري التقى المبعوث الأمريكي إلى سوريا والعراق توم باراك، فإن واشنطن ترى في القيادة السورية الجديدة فرصة لفتح صفحة مختلفة في العلاقات السورية الإسرائيلية، خاصة مع وجود رغبة لدى السوريين في إنهاء سنوات الصراع وتحقيق الاستقرار.
وكان ترامب قد كلف باراك بالعمل على صياغة مسار يقود إلى السلام بين سوريا وإسرائيل.
سقوط الأسد يعيد تشكيل النفوذ الإقليمي
وأدى التغيير السياسي في دمشق قبل نحو 18 شهرًا إلى إعادة ترتيب موازين القوى داخل سوريا والمنطقة، بعد الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد وصعود قوى جديدة بقيادة أحمد الشرع.
وأضعف سقوط الأسد النفوذ الذي كانت تتمتع به إيران وروسيا داخل سوريا، لكنه فتح في الوقت نفسه الباب أمام منافسة متزايدة بين إسرائيل وتركيا.
وتعد أنقرة من أبرز الداعمين الإقليميين للحكومة السورية الجديدة، كما تتمتع بنفوذ متزايد في الملفات الأمنية والعسكرية، الأمر الذي يضيف تعقيدات جديدة إلى الحسابات الأمريكية والإسرائيلية بشأن مستقبل سوريا.
محادثات سورية إسرائيلية في عمّان
وجاء قرار رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب بعد يوم واحد من اجتماع سوري إسرائيلي استضافته العاصمة الأردنية عمّان، بوساطة أمريكية، لبحث ترتيبات أمنية وإمكانية احتواء التصعيد بين دمشق وتل أبيب.
وجمع الاجتماع مسؤولين سوريين وإسرائيليين، بينهم رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي رومان غوفمان ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، بحضور مسؤولين أمريكيين.
وتناولت المحادثات عددًا من الملفات الأمنية والسياسية الحساسة، في مقدمتها الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، إضافة إلى التطورات في محافظة السويداء والعلاقة بين دمشق ومختلف الأطراف الإقليمية الموجودة داخل سوريا.
لماذا استضافت عمّان المفاوضات؟
اختيار الأردن لاستضافة المحادثات يحمل دلالات سياسية وأمنية، في ظل علاقات عمّان مع مختلف الأطراف المعنية بالملف السوري.
وترتبط الأردن بعلاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا وسوريا، كما تستضيف قوات أمريكية بموجب اتفاقية دفاعية، وتمتلك علاقات أمنية مع أنقرة ودمشق، إلى جانب معاهدة السلام الموقعة مع إسرائيل.
وترى مصادر سورية أن تعزيز الدور الأردني في هذه المرحلة يتوافق أيضًا مع رغبة إسرائيل في تقليص الاعتماد على وسطاء سابقين، خاصة قطر، بعد تدهور العلاقات الإسرائيلية القطرية.
دمشق تطالب بانسحاب القوات الإسرائيلية
وخلال محادثات عمّان، أثارت دمشق قضية المواقع العسكرية التي أقامتها إسرائيل داخل الأراضي السورية بعد سقوط الأسد في ديسمبر 2024.
وتضم هذه المواقع نقاطًا عسكرية في جنوب سوريا، وتعتبرها دمشق انتهاكًا لترتيبات وقف إطلاق النار الموقعة عام 1974، والتي أنشأت منطقة منزوعة السلاح وفرضت قيودًا على القوات والأسلحة المنتشرة قرب خط الفصل.
وتعود هذه الترتيبات إلى حرب أكتوبر 1973، التي حاولت خلالها سوريا استعادة مرتفعات الجولان التي احتلتها إسرائيل، قبل التوصل إلى اتفاق فض الاشتباك عام 1974.
وبعد سقوط الأسد في 8 ديسمبر 2024، عبرت القوات الإسرائيلية خط وقف إطلاق النار وأقامت مواقع جديدة بالقرب من الحدود السورية.
إسرائيل تطلب تنازلات سياسية
لا تقتصر المفاوضات على الملفات العسكرية، إذ تسعى إسرائيل، وفق المصادر السورية، إلى الحصول على تنازلات سياسية من دمشق ضمن المساعي الأمريكية للوصول إلى اتفاق سلام رسمي بين البلدين.
ويعمل توم باراك على هذا الملف بالتوازي مع مهمته مبعوثًا أمريكيًا إلى سوريا والعراق، كما يشغل منصب السفير الأمريكي لدى تركيا، وهو ما يمنحه دورًا مهمًا في التعامل مع التنافس الإسرائيلي التركي داخل الساحة السورية.
وكان باراك قد توسط في يناير الماضي في تفاهم بين سوريا وإسرائيل بشأن تبادل المعلومات الاستخباراتية واستكشاف فرص التعاون التجاري، قبل أن تتعرض هذه التفاهمات لانتكاسة مع تصاعد الضربات والتوغلات الإسرائيلية.
غارات أبو الظهور تعيد التوتر
وتجدد التوتر بعد الغارات الإسرائيلية التي استهدفت الأسبوع الماضي قاعدة جوية في محافظة إدلب شمال سوريا، في خطوة أثارت انتقادات أمريكية نادرة.
وبررت إسرائيل الهجوم بالاشتباه في استعداد تركيا لتعزيز وجودها العسكري داخل القاعدة، وهو ما نفته دمشق، كما نفت أنقرة وجود بعثة عسكرية تركية في الموقع وقت تنفيذ الضربة.
وتأتي هذه الغارات ضمن سلسلة من التحركات العسكرية الإسرائيلية داخل سوريا منذ سقوط الأسد، شملت استهداف منشآت ومعدات عسكرية سورية، إلى جانب تحركات مرتبطة بالتطورات في محافظة السويداء.
السويداء.. ملف حساس بين دمشق وتل أبيب
وتشكل محافظة السويداء واحدة من أبرز نقاط الخلاف في المفاوضات الحالية، خصوصًا مع تطور العلاقة بين إسرائيل وبعض القوى الدرزية في المحافظة.
وتعززت هذه العلاقة بعد التدخل الإسرائيلي في السويداء خلال يوليو 2025، فيما تبحث واشنطن، وفق مصادر سورية، صيغة لإدماج القوى المحلية في إدارة المحافظة.
وتتضمن المقترحات إسناد مناصب قيادية في الإدارة وقوات الأمن إلى شخصيات درزية كانت ضمن صفوف المعارضة، في ترتيبات تشبه، بحسب المصادر، بعض المسارات المطروحة بشأن القوى الكردية في شمال شرق سوريا.
واشنطن لا تعتبر تركيا عقبة
ورغم تصاعد المنافسة بين إسرائيل وتركيا داخل سوريا، لا تبدو واشنطن مقتنعة بأن أنقرة تمثل عائقًا أمام التوصل إلى اتفاق سلام سوري إسرائيلي.
وبحسب المصدر السوري، يرى توم باراك أن تركيا يمكنها التعامل مع أي اتفاق مستقبلي، مستندًا إلى تجربة أنقرة مع موسكو بعد التدخل الروسي في الحرب السورية عام 2015.
وتشير هذه الرؤية إلى أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى إدارة التنافس التركي الإسرائيلي بدلًا من السماح له بالتحول إلى عقبة أمام ترتيباتها السياسية والأمنية في سوريا.
أحمد الشرع أمام اختبار سياسي جديد
يمثل الانفتاح الأمريكي على سوريا فرصة مهمة أمام حكومة أحمد الشرع، خاصة مع تخفيف القيود والعقوبات وفتح الباب أمام الاستثمارات وإعادة الإعمار.
ورحب الشرع بقرار رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، معتبرًا أنه يفتح الطريق أمام مرحلة جديدة ويتيح للبلاد تجاوز جانب من إرث الماضي والتوجه نحو التنمية وإعادة الإعمار.
لكن هذا الانفتاح الأمريكي يفرض في المقابل تحديات كبيرة على دمشق، أبرزها التعامل مع إسرائيل، وضبط العلاقة مع تركيا، وتحديد مستقبل القوات الأجنبية داخل الأراضي السورية، إلى جانب معالجة الملفات الأمنية في الجنوب والشمال.
وبذلك، تبدو سوريا أمام مرحلة سياسية جديدة تتقاطع فيها مصالح واشنطن وتل أبيب وأنقرة ودمشق، بينما يظل التوصل إلى ترتيبات أمنية مستقرة واتفاق محتمل مع إسرائيل أحد أبرز الاختبارات التي تواجه الحكومة السورية خلال المرحلة المقبلة.